رياض الصانع
مقالي الذي أتناوله الآن ليس فيه امتهان لمهنة المعلم أو تقليل من قدره، وإنما أعلم بدور جميع المعلمين العاملين في الحقل التربوي وإسهامهم الكبير في تربية أبنائنا قبل تعليمهم، كما أنني من المطالبين بالاستجابة لمطالب المعلمين وتحسين أوضاعهم الوظيفية حتى يؤدوا أعمالهم بالعناية الواجبة، إلا أن ذلك لابد أن يقابل بالاحترام الكامل للعملية التعليمية، سواء في أدائه لعمله أو معاملته للطلاب والطالبات الذين يقوم بتعليمهم، وما دعاني لهذا السرد ما قرأته في جريدة «الأنباء» بعددها الصادر في 27/3/2011 في صفحتها الأولى عن أن أحد الطلاب استطاع باستخدام جهاز النقال تصوير اعتداء أحد المدرسين على الطلاب سبا وضربا، واستطاع أن يبث ما صوره على شبكة المعلم بموقع «TWITTER» فهذا المعلم موضوع مقالنا ضرب بالمثل التربوية عرض الحائط وسعى إلى إفسادها اذ لم يكتف بضياع الحصة التي دخلها ليشرح للطلاب درسا من واقع المنهج المخول له، بل انشغل بـ «سرقة الدفتر» وراح يطلق الشتائم والسباب على الطلاب، ولم يكتف بذلك، بل سب آباءهم وأولياء أمورهم وراح يتعدى بالضرب على الطلاب باستعمال أداة (عصا) وذلك بالضرب على أيديهم، متناسيا أن هذا التعدي قد يؤدي إلى إصابات وكسور.
وربما تتحول هذه الإصابات إلى عاهة مستديمة إذ وجهت الضربة إلى منطقة خطرة من جسم الطلاب، وكأننا في حلقة مصارعة وليس في حقل تعليمي يرسم للطلاب مستقبلهم ويمدهم بالعون اللازم لتثقيفهم حتى يكونوا يدا منتجة في المجتمع لا عنصرا فاسدا وهداما، وفور علم مدير إدارة التعليم الخاص بوزارة التربية بهذا الحدث تم فصل هذا المعلم عن عمله، فضلا عن إحالة هذا الموضوع للنيابة العامة لاتخاذ اجراءاتها فيه نحو هذا المعلم، وذلك بعد تصويره بتعديه بالألفاظ والسباب والضرب على الطلاب بالمدرسة وعقب قراءتي لهذه الواقعة تساءلت عدة أسئلة: ما الذي أوصل التعليم في بلادنا إلى هذه المرحلة سواء من الاستهزاء من الطلاب بمعلميهم أو بالتعنيف من المعلم لطلابه وما السبب في ذلك، ولماذا انعدم الجانب الأخلاقي والتربوي في المسائل التعليمية، فالمعروف أن لفظ التربية جاء قبل التعليم، ولذلك سميت الوزارة «التربية والتعليم»، إلا اننا الآن لا نشاهد هذين اللفظين، بل اختفيا وأصبح التعليم بالنسبة للمعلم وظيفة وليس رسالة كما كان وأصبح مصدرا للثراء بالنسبة له هذا بالنسبة للمعلم، وبالنسبة للطلاب أصبح التعليم وقتا يمضي فيه الطلاب وقتهم اعتمادا منهم على الدروس الخصوصية التي يأخذونها عقب اليوم الدراسي وربما يتغيبون عن المدرسة ويحصلون علومهم في منزلهم بالدروس الخصوصية، وبمعنى آخر اختفت العملية التعليمية وأصبح التعليم بمنزلة تلقين وحفظ وليس استذكارا وفهما، وهذا أدى إلى خلق جيل من الشباب خالي الذهن غير فاهم لما درسه، كما أصبح المعلم همه الرئيسي جمع المال والثراء، خاصة الأجانب الذين يقضون طول وقتهم في الدروس الخصوصية، كل ذلك انعكس على العملية التربوية والتعليمية وأصبح الاحترام الواجب من الطالب لمعلمه مختفيا، كما أصبح الإخلاص والأمانة في العمل واحتواء الطلاب ومعالجة مشاكلهم النفسية مختفية من المدارس الأمر الذي انعكس على العلاقة بينهم وأدت إلى ما نحن فيه من مشاكل لهذا، فالأسرة عليها واجب والوزارة كذلك، إلا أن ذلك لا يجعلنا نتناسى أن ما فعله المعلم من استهزائه بطلابه وتعديه عليهم سبا وقذفا فعل يجرمه القانون الجزائي في المواد 160، 209، 210 وهي التي أفرد لها المشرع الجزائي عقوبة الحبس مدة لا تجاوز سنتين هذا مع عدم الإخلال بما قد تؤدي الإصابات إلى عاهة مستديمة إذا تم التعدي على مكان حساس بالجسد، فهنا تصل العقوبة إلى السجن مدة لا تجاوز عشر سنوات، فضلا عن إبعاده عن البلاد كعقوبة تبعية عملا بالمادة 79/2 من قانون الجزاء، وبعد هذا أود أن أشير إلى ضرورة مراقبة العملية التعليمة سواء في المدارس الخاصة أو الحكومية، وأن تكون لها ضوابط من ضمنها حسن ممارسة المدرس لعمله واحترامه وأمانته على طلابه فضلا على ضرورة غرس روح الود والتفاهم بين المدرسين وطلابهم والعمل على تحلي الطلاب بالأخلاق الحميدة في سلوكهم مع معلميهم، وأن يكون رائد العملية التعليمية هو الابتكار وليس التلقين حتى نستطيع أن نخرج أجيالا قادرة على تحمل المسؤولية في مجتمعنا وهذا لا يتأتى إلا بالفكر المستنير والفهم لأمور الدراسة وليس بالتلقين والحفظ، وهذا لا يمكن أن يتواجد إلا بتوافر عدد كبير من الاخصائيين الاجتماعيين في المدارس لتوعية الطلاب والمدرسين على كيفية التعامل بعضهم مع البعض، كما أنه لا يمكن أن نغفل دور الأسرة في رقابتها لأبنائها ونزع الاستهتار أو الرعونة منهم وغرس روح الأخلاق فيهم أثناء تعاملهم مع مدرسيهم، كل هذا بلا شك سيخلق جيلا من الشباب تستطيع بمقتضاه البلاد أن تسير مع ركب التنمية والتطور، كما أهيب بوزارة التربية والتعليم (التعليم الخاص) أن تتريث في اختيار المعلمين الذين تكون على أعناقهم مهمة تعليم أبنائنا، وأن يتم الاختيار على أسس موضوعية ومن ضمنها الأخلاق ودرجة استعداد المدرس في كبح جماح طلابه فضلا عن مهارته في توصيل المعلومة إلى الطلاب، كل هذا يجب أن يكون هو أساس اختيار المعلم حتى يكون رائدنا في مجتمعنا هو خلق جيل جديد له قدرة على تحمل المسؤولية والنهوض بالبلاد نحو مستقبل أفضل.
والله ولي التوفيق..
www.riyad-center.com