مالك فيصل الدندشي
الحمد لله حمدا يوافي نعمه، ويكافئ مزيده، والصلاة والسلام على المعلم والمربي الذي تولاه ربه، فأدبه فأحسن تأديبه، وعلمه؛ ثم تتلمذ على يديه صحابته، وآل بيته، فسلام  ربي عليهم أجمعين وبعد:
التربية من أشق الأعمال التي يمارسها الإنسان التي في الحياة؛ وكيف لا تكون كذلك، وهي تستهدف كينونة الإنسان التي لا يعرف البشر أنفسهم عنها سوى جزء يسير مما كشف لهم خالقها "ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير"سورة الملك.
ثم إن النفس البشرية تتعرض لعوامل خارجية، وداخلية تؤثر فيها وتتأثر؛ كما أنها عرضة لتقلبات اجتماعية واقتصادية، ونفسية، وسياسية، وفكرية (ثقافية) قد تهز ثوابتها وتغيرها، وتبدل قناعاتها، وتصبغها صبغة جديدة، وأحيانا تصمد هذه النفس فتأخذ وتعطي، وتتكيف مع محيطها دون أن تفرط في ملامحها المتميزة، وشخصيتها المتفردة؛ بل قد تكون عامل تغيير فيما حولها؛ وتلكم هي الشخصية الإيجابية.
وهناك بعض من النفوس تذوب في محيطها فتفقد هويتها، وتلكم هي الشخصية السلبية، وبين السلبية والإيجابية مساحات تشغلها أنماط من الناس يصعب على الخبير استكشاف سماتها؛ فضلا عن الإنسان العادي، أو صاحب الخبرة المتواضعة. ومن حكمة الخالق جل وعلا أن منح هذا المخلوق حرية الاختيار، وحرية الإرادة، وحرية الكسب، ومن حكمته كذلك  أن هذا المخلوق قد أعطي حركية عجيبة يستطيع بها أن يتلون كالحرباء، ويخدع كالجندب، ولا يعطيك مما عنده إلا ما يراه مفيدا له –  بحسب قناعته –  إضافة إلى أن هذه الحركية –  بسرعة خاطفة –  قد تحوله إلى مَلَك مقرب سواء كان هذا التحول حقيقيا أم مزيفا.

إذن نحن أمام عالم متموج غامض تصطرع فيه كل العوالم الخارجية، وتجد لها صدى في نفسه، كما تصطرع فيه عوامل داخلية تقلب حياته، أو تجعلها مستقرة على نمط ترتاح له ذاته وكيانه.

إن الله سبحانه وتعالى الذي خلق، وأعطى كل شيء ثم هدى، لم يترك هذا الإنسان الكريم على خالقه لبني جنسه يتعهدونه  بالتربية؛ لأن فاقد الشيء لا يعطيه، ولأن من لا يملك فهم الشيء، ولا يملك فهم حقيقته وما يطرأ عليها من تقلبات كيف يستطيع أن يتولى توجيه غيره وهو نفسه يحتاج إلى هذا العطف من بارئه، وإن زعم – بما يملك من وسائل محدودة في هذا الجانب – أنه قادر على إيجاد صيغ لحياة غيره يُسْعِده بها، ويرشده، ويسدده، ويصلحه.

لقد بعث الله الرسل، وكلفهم بهذه المهمة العظيمة مهمة التربية الصالحة، مزودين بمنهج إلهي راشد إذا آمن به صلحوا وأصلحوا، وسعدوا وأسعدوا، واستقاموا وقوَّموا غيرهم، وطالما اقترب الناس من المنهج الراشد، فهم سعداء مصلحون مستقيمون، فإذا انحرفوا وزاغوا، ضلوا وأضلوا، وشقوا فأشقوا غيرهم. وتتسع هذه الدائرة وتضيق بحسب القرب والبعد من المنهج.

الأنبياء ورَّثُوا العلم (المنهج) ليستمر هذا العطاء الرباني يعمل في الأرض –  وفق قدر الله وسننه – ثم يناضل العلماء وهم كما في الحديث "العلماء ورثة الأنبياء" رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وصححه الألباني، ويجاهدون كي ينتصر الحق، وينهزم الباطل؛ إنهم يبلغون رسالة الله إلى الخلق، فيعملون على تجاوزها ليصلوا من ثَمَّ إلى بحر السعادة الذي يحلم به المخلصون من أتباعهم.

إن المربين سواء كانوا من أتباع الأنبياء، أم كانوا ممن زعموا أنهم مستغنون عن رسالة السماء هم المجاهدون الجهاد الأكبر، وشتان بين من يجاهد، وهو يحمل رسالة الخالق، ومن يواجه الناس بمنهج اخترعه ليصلح به غيره، وهو محتاج إلى سواه.

لم يتخل الحق سبحانه عن عبده (الإنسان) منذ أن هبط إلى الأرض، فها هي كوكبة الأنبياء والمرسلين لم تنقطع أنوارها، وهي تسطع ليل نهار؛ فإذا أُخْمِدَ نور، فسرعان ما يرسل الله نورا آخر، ولم ينقطع التجديد في حياة الأمم.
التجديد الذي يعيد إلى النور جماله وجلاله؛ وهكذا تشهد البشرية في كل عصر ومصر حركة الحياة تدب من جديد، كلما خبت فيها الروح، كما تشهد الصراع بين أولياء هذا النور، وأدعياء الهوى والضلال الذين يخدعون الناس ـ باسم   العلم -، ويصورون لهم أنهم يحملون رسالة تسعد البشر، وما هي إلا سنون تمر حتى يكتشف أصحابها وأتباعهم أنهم مفلسون وعلى الرغم من ذلك فهم جادون في المضي حيث يريدون "إنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور"سورة الحج.

أعود وأكرر ما قلت: إن التربية من أشق الأعمال التي يمارسها الإنسان في الحياة. لقد احترم الله تعالى الإنسان حينما أهداه منهجه، وممن هذا المنهج؟! إنه من خالقه وبارئه، ومدبر أمره؛ إنه ممن يعلم، وهو اللطيف الخبير؛ ثم إن منهج الله لا يتطلع إلى إسعاد الإنسان في الحياة الدنيا وحدها؛ إنه يتطلع إلى إسعاده في الحياة الأخرى، وأما أولئكم، فهم يضيقون على الناس دائرة الحياة المتسعة التي لا يعلم مداها إلا الله تعالى، فلا يخطر على بالهم أمر الآخرة على الرغم من أنها الباقية، وهي المرجوة. إنهم مساكين محبوسون في دائرة حواسهم وعقولهم العوجاء.

إن التخبط الذي نشهده في عالم التربية ومناهجها مرده إلى محاولة الإنسان الفاشلة استقلاله عن خالقه!!! وتمرده على منهج الله الحق، وزعمه أنه يستطيع أن يحيا بعيدا عنه!!!!! ألا ما أسخف عقول هؤلاء.

إن الحق تبارك وتعالى كفانا مشقة البحث عن المنهج؛ لكنه أعمل عقولنا كي نفكر في إيجاد الوسائل المتجددة التي تساعدنا على تطبيق هذا المنهج، وهذا من كرم الله. فعلينا أن نجتهد في هذا المضمار بإخلاص وإتقان، والميدان واسع، وهذا مجال رحب يجتهد فيه البشر جميعهم مؤمنهم وشقيهم، وربما يستفيد المؤمنون من أساليب هي من صنع غيرهم.

هناك فرق بين إيماننا بصلاحية المنهج الإلهي وتطلعنا إلى استحداث وسائل تعيننا على تطبيقه، فهما أمران منفصلان، وقد يستفيد غيرنا مما عندنا في هذا الجانب، فلا يجب الخلط بين الأمرين، والحكمة ضالة المؤمن.

إن العقبات التي تعترض التربية، وتقف في وجهها، وتحول بينها وبين ممارستها عمليا، وبيان آثارها فعليا كثيرة جدا، وبعض هذه العقبات تبرز الوجه الجميل الوضيء لمناهج التربية مهما كان مصدرها – تبرزه وكأنه وجه شاحب ذابل ينتظر الموت فلا يجده.

إن البحث في موضوع العقبات يتطلب التفكير في تقديم العلاج لها، وقد يأتي العلاج متلازما مع العرض أو متأخرا؛ والعقبات نوعان: عقبات مادية، ومعنوية، وقد تشمل الوسائل التي بها تتحقق التربية، أو الاجتهادات التي تفسر نصوص التربية وموادها، أو الممارسات العملية التي هي سلوكيات تنشأ عن تصورات وتخيلات أرباب التربية ومن ينتصر لآرائهم، ويعمل على تنفيذها في عالم الواقع.

والآن أستعرض العقبات ـ سواء كانت مادية أم معنوية - العامة التي لا يختلف عليها أصحاب العقول، وذوو الخبرة التربوية أيا كان جنسهم ودينهم، ولونهم وثقافتهم، فهي مسلمات مشتركة يتفق عليها أصحاب الفطر السليمة، والنظرة الصائبة، ومحبو الخير والحق والجمال، والغُيُرُ على أن تبقى الكينونة البشرية متفردة عن عالم البهيمة والشيطان.

إنني لا ألتفت إلى آراء الشواذ من البشر وإن كانوا كثرا كالزبد؛ كما لا أولي عناية إلى أفكار الشر المحض، والباطل الخالص، والجهل المظلم، وقد يكون بعض هؤلاء ممن يحمل الأوسمة والشهادات العلى !!!!!! أو ممن يتسنم مناصب عليا وصل إليها بوسائل شتى، وهو ليس أهلا لذاك.

إن الحوار في موضوع التربية ووسائلها والعقبات التي تقف في وجهها – أمر مطلوب بين الخيرين، أو ممن يحب الخير، أو يملك قدرا منه، أو يرغب في تعويم سيولته، أو لا يضع العراقيل أمام التجارب الناجحة؛ بل يفسح لها الطريق، أو ينقيه من الشوك والجمار والماء الآسن، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا ))رواه البخاري.

إن من يعترف بخطئه وهو متلبس فيه خير من المصر عليه، وإن الكافر الذي يقر بشرعية الحق وعدالته أنفع من المستكبر الذي يزعم أنه أنقى من الحليب الصافي. ألم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم لبنت حاتم الطائي –  وهي في الأسر-  حينما وصفت أباها : ((خلوا سبيلها فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق))ضعفه الإمام العراقي في تخريج الإحياء.

ليست التربية بستانا مزدانا بالأشجار الخضر عامرا بالثمار الطيبة رطبا بالمياه النقية العذبة يزدلف إليه الناس ليستمتعوا بجناه ونميره، وهوائه، وخضرته -  فحسب؛ بل هي كل ذاك إضافة إلى أنها حرث وزرع وعمل وجهد، ومتابعة، وتهذيب، وتشذيب، وعلاج، وتطوير وتحسين والسعي إلى الأحسن.

العقبات في طريق التربية وتطبيقاتها كثيرة، وسأذكر بعضا منها دون الدخول في التفاصيل وإن شاء الله تعالى سنتناولها مستقبلا.

من معوقات التربية وتطبيقاتها ما يلي:
1.تباين التفكير عند الأبوين، وعدم الانسجام بينهما في الرؤية، والتخطيط والبناء، والتخبط في ترتيب الوسائل والأهداف.
2.التناقض بين ما يعطى للأبناء في البيت، والمدرسة، والمجتمع.
3. عدم كفاءة معاهد التربية للقيام بهذه المهمة.
4. فقدان القدوة الطيبة.
5. الافتقار إلى الصحبة الراشدة.
6. عدم المتابعة الجادة، والميوعة في اتخاذ التدابير الواقية.
7. حشو الأبناء بالمعلومات دون الالتفات إلى ممارستها عمليا.
8.الغلو في بعض الجوانب والتقصير في بعضها.
9. الأم المتخلية والأب المشغول.
10.كثرة الملهيات الحديثة.
11. التفريط في الحقوق والواجبات.
12. حب التقليد الأعمى.
13. ضعف اللغة العربية عند الأبناء والمربين.
14. الانفتاح الزائد على كل جديد، والتنكر لكل ماض.
15. ضعف الوجدان الشرعي، والخلقي.
16. عدم بناء الشخصية المبدعة التي تتطلع إلى التجديد، وتقبل النقد المفيد.
17. فقدان الشهية إلى العلم والاستزادة منه والرضا بالقليل.
18. إغراق الأبناء بالملهيات والمسليات والمأكولات.
19. الجنون الرياضي!!
20. عدم ترغيب الولد في القراءة والكتابة. إلخ

هذه العقبات التي ذكرتها من غير ترتيب، ولم أستخدم معيارا اعتمدت عليه في تقديم ما تقدم أو تأخير ما تأخر، قد ترضي بعضا من القراء أو تغضب آخرين؛ فحسبي أني بذلت جهدي، وأسهمت في معالجة هذا التقصير الحاصل؛ فإن كان خيرا، فمن الله، وإن كان سوى ذلك، فمني ومن الشيطان، والحمد لله رب العالمين

JoomShaper