الدستور – جلنار الراميني
سيبقى قصي يتذكر عقاب والده منذ كان طالبا في المرحلة الأساسية ، فقد كان كثير اللعب ويحب مرافقة أترابه إلى الملعب بعد انتهاء مدرسته لقضاء وقته ، وما أن يعود إلى المنزل حتى يبدأ والده بإهانته وتوبيخه بطريقة «مؤذية» وجارحة تجعل قصي يلجأ لوالدته لتدافع عنه ، وكل هذا بسبب حب والد قصي للعلم. إلا أن طريقته في الحرص كانت مغموسة بالألفاظ السيئة علما أنه لم يتعد العاشرة من عمره .
سنوات
قصي لم يكن يضرب بقدر ما كان يسمع الكلام من والده ، هو الآن أب لـ( 3 ) أطفال وبالرغم من مضي السنوات الطويلة على ذلك إلا أن قساوة كلام والده جعلته يتذكر تلك الأيام ، وقال « لقد كان والدي حريصا على دراستي ولكن كان يوبخني من خلال كلامه الذي كان يجرحني ولقد تعلمت منه أن لا أتعامل مع أولادي بهذا الشكل «.
قصي لم ينس هذا العقاب اللفظي بالرغم من أن والده كان يريد مصلحته في أن يتعلم ، وحاله كحال عز الدين حيث أنه طالب جامعي وما فتئ يعاني من أخيه الأكبر بعد أن توفي والده حيث يعامله كطفل صغير حيث الألفاظ التي تستفزه كأن يقول له « يا فاشل « أو « خسارة فيك القرش « أو « عيب عليك نزلت راسنا في الأرض « وغيرها من الجمل التي تؤثر في معنويات عز الدين ، مشيرا إلى أن أخاه متسرع في الحكم عليه كما أن أخطاءه لا تستحق هذا النوع من التوبيخ .
ومن جهتها تشير رسمية عبد الجواد إلى أن التجريح في الكلام يكون على الأشخاص في كثير من الأحيان أكثر وقعا من الضرب حيث التأثير النفسي السيء الذي يرافقه في كثير من الأحيان الاكتئاب والإنطوائية ، منوهة إلى أنها تعاقب ابنها أمجد من خلال توبيخه لكن بطريقة ليست مؤذية بل تقتصر بالقول «لماذا فعلت ذلك « و « لا تكرر ذلك» و «سأخبر والدك إن كررت الأمر» و « سأحرمك من اللعب في البلاستيشن « .
أثر عام
وما تراه سلوى وهي معلمة في إحدى المدارس الخاصة أن العقاب اللفظي والتوبيخ الكلامي المبالغ فيه من أصعب العقوبات لأثرها المعنوي الذي من شأنه إحداث العديد من انعكاسات على شخصية الطفل وهذا الأمر نسبي من طفل لآخر ، مشددة على أنها تؤكد خلال لقائها بأولياء أمور الطلبة على أهمية الحوار الهادف وإشعار الطفل أنه يستحق الاهتمام وفي حال أخطأ طفلها عليها بتوبيخه دون اللجوء إلى الألفاظ البذيئة أو التي تقلل من قدرات وأهمية الطفل.
اصرار
«سأكون لأبنائي أما مثالية ولن أكرر خطأ والدي «... جملة قالتها نجوى فقد عانت من والديها هذا النوع من العقاب حيث كانت تشعر في كثير من الأحيان بأنها غير مرغوب فيها في المنزل حيث التوبيخ في حال تأخرت عن المنزل حيث أنها جامعية ولا يقتصر هذا الأمر عند هذا الأمر بل يتعدى إلى توبيخها في حال تأخرت في
النوم أو في حال خرجت إلى الشرفة لوحدها لتدرس والعديد من الأمور، مبينة إلى أنها تحاول مرارا أن تبين لهم بأنها تنزعج من هذا الأمر وتنصحهم باتباع الحسنى معها إلا أنهما يستمران في التوبيخ.
إلا أن بسمة أم، تجد أنها تفضل التعامل بشكل إيجابي مع الأبناء؛ خوفا من تمردهم وتحسبا من نشوء عقدة نفسية تكبر معهم ، منوهة إلى أنها تسمع صراخ جاراتها وهن يوبخن أبنائهن بطريقة غريبة حيث الصراخ والتعنيف والألفاظ البذيئة واستخدام الصفات الجارحة كأن تنعت أبنها أو ابنتها بالغباء أو الفشل أو « قلة الأدب « أو «الهمالة» والعديد من الصفات السيئة.
وتعترف زهور أنها اعتادت على توبيخ أبنائها منذ أن كانوا صغارا بطريقة» جارحة « وتحاول أن تتخلص من هذه العادة إلا أنها لا تستطيع أو أن طبيعة الموقف تستفزها وتجعلها تفقد الصواب مع أبنائها لتلجأ بالصراخ كنوع ردة فعل على سلوك معين ، مشيرة إلى أن أبناءها كبروا أمامها ولكنهم في عينيها صغارا نتيجة لأخطائهم المتكررة وتضيف ضاحكة « لقد اعتادوا أولادي على التوبيخ بل في كثير من الأحيان يردون علي ولكنني أبدأ بالصراخ والتلفظ بما قد يستثيرهم بعد أن يتجاوزوا الخطأ ولكنني لا أضربهم».
اسلوب منفر
وفي ذات الإطار تشير ماجدة أن إحدى صديقاتها طلبت الطلاق من زوجها نتيجة لأسلوبه المنفر في استخدام الألفاظ والتجريح ، مبينة أن هذا الأمر يجعل من إمكانية العيش في ذات المنزل صعبة خاصة أنه لا يراعي أن للمرأة احترامها وقد يلجأ لإهانتها أمام الآخرين ما يسبب إزعاجا لزوجته والإحراج في كثير من الأحيان .
ومن منظار ردينة فإنها ترى ضرورة قيام الشخص بوضع حد لنفسه في عدم تجريح الآخرين ، فقد خرجت بخلاصة نتيجة لتعلمها من تجربة التربية لأبنائها حيث التعامل المثالي مع الآخرين خاصة الأبناء فهما الآن طالبان في الجامعة وكانت تحسن معاملتهما مستفيدة من دراستها في تربية الطفل دون استخدام العقاب الذي يضر الطفل ويؤثر على شخصيته فقد كانت تحرمهما من اللعب أو من الخروج دون التجريح اللفظي .
ويظهر منصور وهو أب ل3 أبناء و3 بنات بدو الأب المثالي الساعي إلى تربية أساسها الاخلاق والتنشئة السيمة على أساس الشريعة الإسلامية فهو يبتعد عن الصراخ والتجريح والتلفظ بألفاظ تسيء لشخصية الأبناء ، معتبرا أن اتباع التربية القائمة على استخدام العقاب اللفظي أسلوبا جارحا قد يبقى عالقا في أذهانهم حتى يكبروا وقد يولد لديهم عقدة فيما بعد ويؤثر ذلك سلبا على نشأتهم .
تحذير
وحذرت لبنى وهي معلمة في إحدى المدارس الخاصة من هذا النوع من العقاب حيث يولد لديهم الخوف وعدم القدرة على المواجهة والتحدث واللجوء إلى العزلة وكره ذويه والهروب من المنزل بداعي اللعب تحسبا من سماع الألفاظ التي تحبط الشخص سواء أكانوا أطفالا أم شبابا.
ولا يقتصر العقاب اللفظي على الأبناء بل قد يلجأ المعلم إلى التجريح مع طلابه أو المدير مع موظفيه أو في حال نشوب خلاف بين الأصدقاء أو الرجل مع زوجته فقد يلجأؤون إلى الألفاظ الجارحة كما أشار غسان الذي يجد أن من أسوء الامور لديه في حال غضبه هو استخدام الألفاظ الجارحة والتوبيخ واستفزاز الطرف المقابل بما يقول ، معللا ذلك إلى عصبيته وعدم قدرته على تجاوز هذا الأمر، وزاد «عندما اغضب أفقد صوابي لدرجة أنني أبدأ بالتلفظ بما يجرح الشخص المقابل وأعلم أن هذا الأمر سيئا لكن هذا طبعي ويصعب التخلص من هذه العادة».
علم النفس
ولم يغفل علم النفس عن دراسة تأثير العقاب اللفظي على الشخص بغض النظر عن عمره فقد بين المعلم نبيه الناصرماجستير علم النفس ومرشد نفسي أن من الأكبر الأخطاء التي يرتكبها الآباء مع أبنائهم سواء أكانوا أطفالا أم شبابا هو استخدام الألفاظ السيئة والنابية كأسلوب للعقاب دون الاكتراث للعواقب الوخيمة التي تلحق بالابن ، منوها إلى أن التأير السلبي في التوبيخ لايقتصر فقط على الابناء بل قد يتبع المعلم أسلوب التوبيخ أو العقاب «اللفظي « وكذلك استخدام المدير مع الموظفين الأسلوب اللاذع في الألفاظ.
وبين الناصر أن العديد من الأشخاص يكبرون ويكبر معهم التأثير النفسي السلبي للألفاظ الذين كانوا يسمعونها ، مبينا أن هذا الأمر قد يجعل الأشخاص يعاملون من حولهم بذات الطريقة التي كانوا يعاملون بها من منطلق « أن فاقد الشيء لا يعطيه» ولكن هذا الأمر ليس بقاعدة وإنما أمر قد يسببه التجريح أو العقاب اللفظي .
موضحا أن الكثير من المشكلات الاجتماعية تكون بدايتها تجريحا لفظيا ثم تتطور إلى مشكلة تتسبب في الكثير من الاحيان بجرائم ويذهب ضحيتها أبرياء فكلمة واحدة جارحة تتسبب بمشاكل تتطور إلى جرائم .
وعرج على أن طريقة تعامل الزوج مع زوجته يؤثر على تربية أبنائهما حيث أن الزوج إذا تعامل مع زوجته بطريقة غير لائقة أمام أبنائهما فهذا الأمر يجعل من تنشئة الأبناء بطريقة سليمة صعبة ، كما أنهم يقلدون ما يشاهدونه أويسمعونه بلاوعي ، معتبرا أن هذا النوع من العقاب يترك الأثر الكبير في النفوس والتي قد تتسبب غالبا عقدة نفسية يضطر الأبناء بسببها لترك المنزل أو الهروب من واقعهم وقد يؤدي ذلك إلى الإنحراف واللجوء إلى أصدقاء يتسببون في القضاء على مستقبل الأبناء نتيجة للمضايقات التي يتلقونها من ذويهم أو من يكبرهم سنا كالعم أو الخال والأخ الكبير وغيرهم.
وحذر المرشد النفسي الناصر الاستمرار في مثل هذا النوع من العقاب في المجتمع بأكمله سواء في المنزل أو المؤسسات التعليمية أو في الشركات أو عند أرباب العمل فرب كلمة جارحة تحولت إلى عقدة نفسية يصعب حلها بسهولة .
موضحا ان الألفاظ السيئة التي يتلقاها الشخص كـ»فاشل» أو «هامل» أو «الكسلان» أو «الغبي» أو»الكاذب « وغيرها من الألفاظ قد تلقي بظلالها على الشخص بطريقة غيرمتوقعة فيلجأ إلى التفكير بالانتحار تقليدا لمسلسل ما، كما حدث مؤخرا في مجتمعنا خاصة إذا لم يكن الشخص واع بما فيه الكفاية اوقد يلجأ إلى العزلة التي تسبب له الوحدة والهروب من المجتمع ظنا منه أن المجتمع يعلم ان تلك الصفات السيئة موجودة في شخصه ولذلك يخشى مواجهة المجتمع. ودعا الناصر الأفراد في مجتمعنا إلى عدم التوبيخ أمام الآخرين تحسبا من تأزم الأمر وعدم خجل الشخص من الطرف المقابل
التوبيخ .. الالفاظ الجارحة لا تردع الابناء عن الخطأ
- التفاصيل