سعيد عبدالهادي لوذين
في حديثي السابق توجهت بهمسة إلى المربين.. واليوم أريد أن أوجه حديثي إلى أبنائي الطلاب وأبنائي الشباب ولن يخلو حديثي من إحساس بالأسى والعتب على بعض الأفعال والتصرفات التي بدأنا نراها في مجتمعنا ومدارسنا خاصة ما يرتبط منها بالعلاقة مع المعلمين الذين أفضل أن أشير إليهم بالمربين تقديراً مني للدور الكبير الذي يقومون به.. هؤلاء الذين يقدمون حياتهم وسعادتهم ليبنوا لنا أجيالاً تبني أوطاناً وتزرع فيها القيم الراقية والمعرفة المطلوبة للتكيف مع عالمنا الذي بني على المعرفة وأوصلته المعرفة إلى آفاق لم نكن نتخيلها، والمعلم المربي هو ببساطة من يفتح لنا باب المعرفة الواسع هذا ويأخذ بأيدينا ويمدنا بكل ما نحتاجه من مهارات وأدوات تمكننا من العيش في عالم المعرفة والتكنولوجيا المتطورة.
إن الذي دفعني لكتابة مقالي هذا ما نراه من نظر دونية من البعض للمعلم وصلت إلى حد التعدي اللفظي والبدني على بعض المربين الأفاضل من قبل أبنائهم الطلاب فهل يجوز هذا؟ وماذا علينا فعله لكي لا تتغلغل ثقافة الجحود هذه الى طلابنا وأبنائنا؟ ولعل من المناسب ونحن نعيش هذا التدهور التربوي مع تلك الفئة الهامة في كل مجتمع، وبعيدا عن الاسباب والدوافع لذلك التدهور التي يجب ان تنال حقها من الدراسة والبحث من جهات الاختصاص لاعادة التوازن المفقود في تلك العلاقة بين المعلم والطالب،ولعله من المناسب أيضاً ان نذكّر هنا بمكانة المعلم الرفيعة في المجتمع المسلم ومقدار كرامته وعلو مقامه، حيث يجهل البعض من الناس خطورة الدور الذي يقوم به المعلمون والمعلمات، فهي رسالة عظيمة ومسؤولية جسيمة، والرسل والانبياء هم قدوتهم يقول الرسول صلى الله عليه وسلم (كل على خير، هؤلاء يقرأون القرآن ويدعون الله، فإن شاء اعطاهم وان شاء منعهم وهؤلاء يتعلمون ويعلمون، وإنما بعثت معلما) وهناك ايضا العديد من الآيات والاحاديث والامثلة التاريخية التي تؤكد مكانة المعلمين والمعلمات الرفيعة وسمو رسالتهم: يقول الله تعالى {هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم، يتلو عليهم آياته، ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، وان كانوا من قبل لفي ضلال مبين}. ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (فضل العالم على العابد كفضلي على ادناكم) ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ان الله وملائكته وأهل السموات والأرض حتى النملة في جحرها، وحتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير). وقوله صلى الله عليه وسلم (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له طريقاً الى الجنة، وان الملائكة لتضع اجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع، وان العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الارض حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، وان العلماء ورثة الانبياء، ان الانبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهما إنما ورثوا العلم فمن اخذه اخذ بحظ وافر) وقوله صلى الله عليه وسلم (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) وهذا الفضل للعلم والمعلم ليس مقتصراً على تعليم الامور الدينية، بل يتسع لجميع انواع المعرفة اذا كان فيها الخير والمصلحة للانسان في دنياه وآخرته، ولاشك ايضاً ان ذلك الثناء موجه الى (العالم المعلم) الذي ينتفع الناس بعلمه والى (المعلم) المخلص في عمله وتعليمه. ومن الامثلة التاريخية التي اوضحت عظم واجب المعلم ما يروى عن الواثق بالله انه عندما تولى الخلافة دخل عليه هارون بن زياد، فبالغ في تكريمه وتعظيمه، فقيل له يا أمير المؤمنين: من هذا الذي كرمته وعظمته واهلته كل هذا الاجلال؟ فقال الواثق: انه اول من فتق لساني بذكر الله، وادناني الى رحمة الله — يعني ان هارون بن زياد ظل معلماً له، لذلك كان حرياً بذلك الاجلال والاحتفاء بمقدمه والآن وبعد هذه المقدمة أود أن أهمس في أذن كل طالب علم في مدارسنا ناصحاً إياه أن اتق الله في معلميك فهم يستحقون منك الاحترام والتقدير بل هو واجب شرعي وأخلاقي.. وأختم بقصة القضاة الذين أعلنوا الاضراب في ألمانيا مطالبين بمساواتهم بمعلميهم في الرواتب والمكانة فأتاهم الرد ألا تستحون أن تطالبوا بالمساواة مع من علمكم لتصبحوا قضاة، وفي اليابان يأتي المعلم مباشرة بعد الامبراطور مكانة وهذا يفسر تفوق اليابان العلمي فهم يعلمون أن العلم الذي يكفل لبلدهم التفوق والتميز لا يأتي إلا عبر المعلم وأن هذا المعلم لا يرجى منه نفعاً إن لم يكرم لذلك كرموه ووضعوه في الدرجة الثانية بعد الامبراطور بحيث يسبق نواباً وعسكريين وسياسيين ودبلوماسيين.

JoomShaper