عمر السبع
يقول الدكتور عادل رشاد غنيم: (إن الأم التي تحل واجبات طفلها أو تقف على رأسه في كل حرف أو رقم، من الصعب أن توفر لولدها أي قدر من الاستقلالية والشعور بالمسئولية، إنه يصبح مقتنعًا بأنه ليس أهلًا للمسئولية، وأن أمه أو أباه أو أى إنسان آخر سواه قادر على حمل أعبائه، وهنا يكمن الخطر) [خمس خطوات لتعديل سلوك طفلك، د/عادل رشاد غنيم، ص(133،134)].
عزيزي المربي:
إن من الأخطاء الشائعة في تربية الأطفال، أن نرى الآباء يقومون بعمل واجبات المدرسة لأبنائهم وهذا في حد ذاته خطأ كبير، فذلك يعلم الطفل الاتكالية والاعتماد على الآباء في كل شيء، فالرعاية الزائدة للابن تخرجه قليل الثقة بنفسه، فحينما يصطدم بواقع الحياة، ويجيء اليوم الذي يجب أن يعتمد فيه على نفسه، عجز عن التفاعل مع الحياة، وفقد كل قدرة على التوفيق بين استعدادته وقدراته، وبين متطلبات البيئة التي حوله؛ فيكون مصيره هو الفشل، ومن ثم الإحباط، وربما الأمراض النفسية.
آثار طويلة المدى:
إن (مثل هؤلاء الآباء الذين يقومون عن أبنائهم بكل ما هو مطلوب منهم، لا شك أن لديهم النية الحسنة لكنهم بذلك يتجهون نحو كبت النمو الطبيعي للأبناء، هؤلاء الآباء لا يكونون مرتاحين لازدياد اعتماد الطفل على نفسه؛ لأن دورهم بذلك يصبح مهددًا، فيتدخل الآباء مرة أخرى لتصحيح ذلك، وهكذا عجلة لا نهائية من التصرفات الخاطئة تربويًا. ولاشك أن بعض الأبناء يثورون ويفرون من هذا الكبت، ويحاولون تخليص أنفسهم من وطأته، وقد تفشل كل الجهود لإقناعه، ليس لكون الكلمات غير فعالة، ولكن لأن سبب ثورتهم قد تم تجاهله، حتى حينما يتوقف الآباء عن اهتمامهم الزائد بالأبناء، فلن يتغير شيء، ولن يهدأ الأبناء الثائرون حتى يترك الآباء والمربين لأبناء حياتهم الخاصة دون تدخل في كل صغيرة وكبيرة) [كيف تقولها لأطفالك، بول كولمان، ص(393)، بتصرف يسير].
ومن آثار اعتماد الابن على والده في كل شيء، أن الأب الذى يأخذ على عاتقه كل ما يتعلق بالابن، يدفع الابن إلى النمو، ولكن دون أدنى نضج ذاتي، ذلك أنه عاش على ذات أخرى، فيفشل في تحقيق ذاته، ويبقى طفلًا من حيث عدم الاستعداد لتحمل أية مسئولية، والاعتماد الكامل على غيره، فهو ضعيف الإرادة والعمل، لديه اعتماد زائد على الآخرين سواء كانوا من زملاء الدراسة أو من زملاء العمل.
كما أنه لا يراعي - إن أدرك - مشاعر الآخرين، ولا يقدرها، فقد تعود على أن يريد ما يريد وقتما يريد، ومن هنا، فهو لا يبذل جهدًا خاصًا، وإنما يظن أن الجميع يجب أن يخدموه.
فالرعاية الزائدة لأبنائنا، وعدم تدريبهم على المحاولة والمثابرة في العمل والاجتهاد؛ أنتجت لنا أجيالًا مشوهة تربويًا، حتى رأينا من يتجنب العمل حتى لا يسقط في الفشل، أو من يبتدع الوسائل لتبرير فشله فيُظهر غرورًا معكوسًا لتبرير عجزه وعدم رغبته في القيام بالعمل في صورة حقارة العمل الموكل إليه القيام به، وعدم جدوى فائدته، أو أخيرًا بوصف من يقومون به أو ينجحون فيه بأنهم منافقون أو حمقى وأغبياء.
مظهر خادع:
(إن الأمر تعدى المظهر الخادع إلى القناعة الذاتية، فرأينا من هؤلاء من يرى فشله لونًا من ألوان عدم الانسجام مع العلم الذي يفترض أن يقوم به، أو الطامة الأكبر اعتبار فشله فيه لونًا من ألوان تفرد الشخصية.
بل لا نبالغ إن قلنا: إن هذه الرعاية الزائدة هي التي أخرجت لنا أناسًا على درجة عالية من الخلق والأمانة، ولكنهم يفتقدون ما يكفى من الكفاءة والحنكة وحسن الإدارة لقيادة أعمالهم في سبيل النجاح.
ربما قال بعض الآباء: وهل نترك أبناءنا لهموم الحياة وآلامها، ونحن نقدر على دفعها عنهم؟
ونقول: لا توجد أدنى فائدة من أن نقوم بتحجيم أطفالنا من الهموم والآلام التي لا يمكن تجنبها، بل إن محاولة حمياتهم منها لا تعود عليهم إلا بالضرر البالغ، وبدلًا من أن نحاول حماية أطفالنا من مواجهة المشكلات، فلنحاول أن نساعدهم عبر الصدق معهم في أكثر المواقف إيلامًا، فقط نقوم بشرح المواقف التي يواجهونها، وكيفية التغلب عليها، فيتعلمون هم من ذلك كيف يواجهون أكثر المواقف إيلامًا، وكيف يستطيعون التغلب عليها) [اللسمة الإنسانية، محمد بدري].
فإذا كان لدى الابن واجبات مدرسية – مثلًا – فليس من الحكمة التربوية أن يقوم الأب بها، وإنما يعاونه في أدائها، وإذا اشتكى الابن من صعوبة الواجبات؛ قام الأب بتقسيمه إلى أجزاء ليقدر على القيام بها، وإذا اشتكى صعوبة مادة من المواد الدراسية، قال له: "فلنبدأ بها وأنا معك أساعدك".
وهكذا، تنحصر وظيفة الأب أو الأم، في المساعدة في القيام بالواجبات، وليس القيام بها وأدائها.
وهم خاطئ:
قد يقول البعض من الآباء والمربّين: إن من الأسهل والأسرع بل وربما الأفضل أن أقوم بنفسي بالعمل بدلًا من أبنائي، إن قيامهم به قد يتطلب وقتًا أعلمهم فيه لكي يقوموا به بدلًا مني، وهذا الوقت ربما فاق وقت العمل نفسه.
والرد على هذا هو: أن هذا قد يكون صحيحًا إلى حد ما، وقد يكون أفضل على المدى القصير، ولكنه ليس الأفضل على المدى الطويل، بل الأنفع لك ولأبنائك أن تصبر على تعليمهم، وتقبل ما يؤدونه من أعمال ليست عل الدرجة المطلوبة من الاتقان، وتتعود مع ذلك على التسامح والتغاضي عن أخطائهم إذا أخطأوا، وتوجيههم وتشجيعهم إذا أصابوا، ذلك أن دورك - أخي المربي - هو تعليم الابن كيفية العمل، وليس القيام بهذا العمل بدلًا منه.
سبب الوقوع في هذا الخطأ:
1-(رغبة الآباء في تعويض ما فقدوه من عطف وحب وحنان أثناء طفولتهم، وذلك بإغراق أولادهم بالحب والتدليل والتسامح أو لكون أحد الوالدين أو كليهما قد حرم من عطف الوالدين أثناء الطفولة.
2-رغبة الآباء في تقليد ما تعلموه في طفولتهم من آبائهم، وتطبيق نفس نوع التربية التي تعرضوا لها في طفولتهم.
3-وقد يرجع ذلك لسبب خوف الوالدين على الطفل لاسيما إذا كان الطفل الأول أو الوحيد أو إذا كان ولد وسط عديد من البنات أو العكس فيبالغان في تربيته.
وهذا التدليل - كما قلنا - يردي إلى آثار سيئة في تكوين شخصية الطفل على النحو التالي:
1-يجعل الطفل لا يعتمد على ذاته ولا يقوم بمزاولة أي نشاط إلا إذا ساعده الآخرون فيه
2-يجعل الطفل يطلب الحماية والرعاية يصفة مستمرة ولا يستطيع التحرر من والديه بسهولة.
3-يجعل الطفل لا يستطيع الشعور بالمسئولية، ولا يقدر المسئولية، ولا يقوى على رفض طلباته، ولذا فهو يتعرض للاضطراب النفسي عنما تقف في طريقه عقبة أو يتعرض لمواقف إحباطية) [سياسات تربوية خاطئة، محمد ديماس، ص(148-149)].
ورقة عمل:
ـ عليك بتعليم ابنك التفكير في مشاكله، ومحاولة حلها عبر قراراته هو، فإذا أصاب فلابد أن تشيد بقراراته الصائبة، وإذا جانبه بعض الصواب، فعلِّمه ما هي النقاط التى لابد أن يأخذها في اعتباره في المرة القادمة حتى يدرك الصواب.
ـ قدّم لابنك مساعدة حقيقة ليتمكن من معرفة البدائل لما اتخذه من قرارات وكيف يختار ويحدد مستقبله.
ـ اعلم أن (الأب الذي يساعد الطفل على إنجاز كل شيء بإتقان، أو يحاول أن يحميه من أى خاطر، ينتقص من قدرة الطفل على إنضاج حس المسئولية لديه، ويحد من احتمال أن يصبح جديرًا بالثقة، لماذا يكلف الطفل نفسه مشقة النظر إلى اتجاه الطريق قبل اجتياز الشارع إذا كان مستوثقًا أن شخصًا ما سيقوم عنه بهذه المهمة) [عصرنا والعيش في زمانه الصعب، د. عبد الكريم بكار، ص(321)].
ـ بعض الآباء يستمتعون بإعطاء أبنائهم النصائح، ويودون أن يعالجوا مشكلاتهم بدلًا منهم.
وهم في ذلك – بالطبع – محبون لأبنائهم غاية الحب، لأنهم يرون أن ذلك يحمي الأبناء من القرارات غير الصائبة، ولكن هذه ليست هي طريق التربية الأفضل، فهناك أوقاتًا يجب علينا فيها ترك الابن ليفكر لنفسه، ودورنا هنا هو تعليم الطفل قبل اتخاذ الخطوة، التعليم بدلًا من تقديم الحلول.
وهذا التعليم والتدريب على حل المشكلات الخاصة يجب أن يبدأ مع الأبناء منذ الصغر، حتى يكون لديهم خبرة كافية على ذلك عند الكبر، ومما يساعد على هذا التعليم توجيه تفكير الطفل عند اتخاذه لأي قرار: "ماذا فعلت؟"، "ما الذى تنوي فعله؟" ما هي القاعدة التي تحتكم إليها في تصرفك".
المصادر:
·عصرنا والعيش في زمانه الصعب، د. عبد الكريم بكار.
·خمس خطوات لتعديل سلوك طفلك، د/عادل رشاد غنيم.
·كيف تقولها لأطفالك، بول كولمان.
·سياسات تربوية خاطئة، محمد ديماس.
·اللسمة الإنسانية، محمد بدري.

JoomShaper