د. فوزية الدريع
أكثر جملة يكررها الأهل على أبنائهم المراهقين وبناتهم المراهقات، هي جملة "يؤثرون عليك". فالأهل، بالفطرة والخبرة، لديهم خوف من أن يتعرّض أبناؤهم لتأثير أصدقائهم السيِّئين، فيدمنون المخدرات، ويجربون الجنس، أو يتورطون في أي أمر غير قانوني.
لكن أصل الحكاية تأثير الجماعة في الفرد. وبصراحة، واقعيّاً، الكثرة لها تأثير في الفرد، والطبيعة البشرية تميل إلى التّبعية. فالإنسان يُريد بالفطرة أن يكون جزءاً من جماعة ينتمي إليها. وأحياناً، حين أرى سرْباً من الطيور وقت الغروب، وهي تُحلّق بطريقة مُنتظمة في السماء، أسأل نفسي: مادام الكل يقوم بذلك، ومادام لا يوجد دليل على أن هناك طيراً أذكى من الآخر، ومادام الطريق هو ذاته، فلماذا تطير الطيور بالنّمَط الاجتماعي نفسه؟
في الحقيقة، لا أظنّ أنّ الأمر مسألة تَتبعيّة بقدر ما هو مسألة انتماء إلى الجماعة.
الطريف هو سلوكنا البشري. ألم تُلاحظوا أننا نُجبر أولادنا وهم أطفال، ليكونوا جزءاً من الجماعة، ونجعلهم يتعلمون الانضمام إلى الجماعة، ونحزَن لو شعرنا بأنّ أولادنا غير راغبين في هذا الانضمام، أو بأنهم راغبون ولكن الجماعة ترفضهم؟ لكننا بعد سنوات، لا نريد لهم أن يكونوا جزءاً من الجماعة، ونحذرهم من تأثير الآخرين فيهم. أليس هذا الأمر غريباً؟
الحقيقة الفعلية، أنّ تأثير الجماعة مسألة مؤكّدة، سواء أكان سلبياً أم إيجابياً. لكن تأثير الجماعة لا يكون فقط عند المراهقين، بل عند الإنسان في كل مراحل عمره. لنَنْظُر إلى ذواتنا، نحنُ مَن نَعتبر أنفسنا ناضجين.. كلّنا على الإطلاق لدينا جماعة ننضم إليها وتؤثر فينا. الناس الذين هم في موقع الخبرة الذكيّة، أو مَن يتولون مهام تأثير كبيرة، يُدركون حقيقة تأثير الجماعة، وكيف يُحرّك هذا التأثير الناس.
لنأخُذ أمثلة: معظم التوجّهات السياسية يقودها تأثير الجماعة. فالمظاهرات والثورات التي حصلت في ما يُسمّى "الربيع العربي"، انطلقت بتحريض مجموعة صغيرة، لكنها، ومن خلال مُشاهداتنا في التلفزيون، نجد أنّ الألف صاروا ثلاثة.. أربعة.. عشرة.. مليوناً.. إلخ، لأنّ الكتلة أو الجماعة تُحرّض بعضها بعضاً على التشكّل.
صنّاع الموضة يجعلون مجموعة تلبس هذه الملابس في الشارع، فتنتشر الموضة بسرعة، والعشرات الذين بدأوا في لبس بنطلون "الشارلستون" في السبعينات في الشارع الإنجليزي، حرّضوا الآخرين على هذه الموضة، وبعد ستة شهور فقط، كان ثلاثة أرباع شباب العالم يلبسونه. فقط أقْنع الفرد بأنه ليس وحده، وبأنّ هناك عدداً كبيراً مثله، تجدهُ ينضم إلى الجماعة، إمّا لأنّه لم يعُد خائقاً، أو لأنّ الانتماء إلى الجماعة مسألة فطريّة. ولكن الغالب هو مسألة غسل دماغ الإنسان، بإقناعه بأنّ الأغلبية اعتمدت هذا السلوك، فتجده يقبل بالتبعيّة.
العالِم المصري العربي مصطفى محمود، رحمه الله، سمّى هذه الظاهرة "عصر القرود" في كتاب يحل هذا العنوان. ولكنني، أرى أنّ المسألة ليست "قردية"، بل هي غسل دماغ جماعي. فهو في اللاشعور يُقنع نفسه بأنه مادام الكل يقوم بذلك، فلابدّ أنهم على صواب، وهو يريد أن يكون جزءاً من الصواب، وهذا يحقق له قدراً من الأمان، ومن الاعتقاد بتلافي الخطأ.
وللأهل أقول: قبل أن تقولوا عن صغار أبنائكم إنكم تخافون عليهم من تأثير الآخرين، اسألوا أنفسكم: ما حجم تأثير جماعة ما فيكم، حتى لو كانت فقط مكوّنة من بضعة أصدقاء وصديقات؟
إبني المراهق.. أخاف أن يؤثروا عليك
- التفاصيل