غالبا ما نسأل أنفسنا كيف حدث هذا لي؟، وكيف نصبح عاجزين عن مواجهة التحديات في حياتنا، وحتى كيف نشعر بالضعف أمام المعضلات التي تواجهنا، والتي تسبب لنا طرح هذا السؤال.
هذه الأسئلة تعني أنه من الواضح، أن الفرد لا يسيطر على أحداث حياته، وعندما يتأملها يكتشف أنه بذل مقدارا كبيرا من التفكير من دون تنفيذ، فالخيارات مهما كانت صغيرة إلا أن له عواقب، وكل عملية اتخاذ قرار تحتاج للتفكير مليا في العواقب على المدى الطويل في الخيار الواحد، سواء اختار أن يأكل أو ماذا يقول، أو اتبع حدسه.
وكل خيار يهم ويؤثر في أعماقنا من الداخل بحسب خبيرة العلاج في الطب البدهي والطاقة كارولين مييس التي تعمل على تقييم صحة الأفراد بناء على طاقاتهم ومتخصصة بمساعدة الناس على فهم الأسباب العاطفية والبدنية والنفسية التي سببت لهم المرض، وهي مؤلفة الكتاب الأكثر مبيعا في صحيفة نيويورك تايمز "Why People Don't Heal and How They Can, Sacred Contracts and Entering the Castle والعديد من الكتب التي تتحدث عن هذا الشأن.
وتبين مييس أن كل خيار نعرف أنه يؤثر بنا من الداخل، وهو ما يفسر لماذا نشعر بالحزن، حول اتخاذ قرارات فيما يتعلق بإعادة ترتيب أولويات الحياة أو العلاقات.
فحين يتعلق الأمر بالخيارات التي تخص العلاقات، تبين مييس أن "البعض يعترف ممن عالجتهم بأن البقاء مع أشخاص لم يكونوا كما أرادوا، جاء كنوع من التسوية، بدلا من البقاء وحيدين"، مضيفة أن العديد من الناس على استعداد لمثل هذه العلاقات لا بدافع الحب، ولكن جراء الخوف من البقاء وحيدين، ويفعلون أي شيء لتجنب انتهاء الأمر بهم بالبقاء وحيدين في المنزل أو من دون رفيق، وهؤلاء الناس خياراتهم تقودهم للحظات لا مفر منها من الأسى، وحينها ينتهي بهم المطاف بطرح هذا السؤال "كيف حدث لي هذا؟" والجواب هو عبر القبول بشيء بديل عما تريده حقا.
والأمر الأهم هو من أين تحصل هذه الديناميكية على تلك الروحية اللزجة بمعنى أنها تصبح عادة، بأن ترضوا بتسوية أقل وتقبلوا بشيء أقل مما تريدونه حقا في العلاقات العاطفية أو في أمور حياتكم كافة، وكيف أن هذه المساومة ستقودكم بوعي أو بدونه إلى تخريب حياتكم، بسبب ما اخترتم، وفي الحالة التي تدوسون فيها على زر "الإيقاف المؤقت" الخاص بكم لثانية واحدة، ونظرتم للحظة على حالكم ستكتشفون فداحة الوضع الذي وضعتم أنفسكم به، بحسب مييس.
لما ننسف مشاعرنا وحياتنا، علما بأن بعض الأعمال لا تكون نابعة من الوعي الخاص بنا، ولكن في الوقت نفسه لا يمكن لأحد أن يعيش مع ألم الشعور بالخيانة من نفسه، ولا يجد طريقا للتخلص منه، كما تقول مييس، فهذا الألم قد يعمل على توجيهكم إلى الإدمان أو الاكتئاب، وحتى إلى الشعور بالغضب، إزاء الشخص الآخر، لشعوركم الداخلي بأنه مصدر دائم لخيبة الأمل، ومع هذا فإن الألم لن يزول.
ففي الحقيقة هذا السلوك السلبي، هو شكل من أشكال البقاء على قيد الحياة، كما توضح مييس وهو موجود داخل النفس التي تقبل بأقل مما تريد، وهو جزء من محاولات كسر والخروج من الوضع الذي تكون فيه، ولكن ما تزال عالقا به.
قد يكون وعيك مدركا وحانقا جدا، لاتخاذ هذه الخطوات الجريئة في محاولة لكسر القالب الذي توجد به، ولذا يكون التوجه من اللاوعي إلى الغضب والإدمان على الطعام والاكتئاب كرد فعل داخلي للصراع حول التخلص من الوضع.
فإذا كنت تعتقد أن هذا الحل للنمط السلبي سهل، ففكر مرة أخرى، لأن القبول أو الرضوخ لتسوية تتعلق بأقل بأمر سهل لا يمكن تجنبه، لأنه من المستحيل الحصول على ما تريده، وستصبح نرجسيا لا يمكن السيطرة على هذا الشعور، وتعيش في مجتمع من اللانرجسيين، فكيف حينها تحل هذه المعضلة فيما يتعلق باتخاذ قرارات لا تخرب حياتك ولا تخرب نرجسيتك، في القدر الذي تنعكس فيه على توجيهاتك الداخلية، وتبين مييس أن من أبرز تلك الحلول الحكيمة هي مايلي:
- أولا: من المهم فهم وإدراك الاختلاف الدقيق بين "التسوية" و"الاختيار" في أمر ما، لأن التسوية أمر سلبي وتوقعك من سلم تحمل المسؤوليات والعواقب. وحين تشعر بأنك قمت بتسوية لأمر ما، يمكنك إخبار نفسك أنك فعلتها بسبب الضغوط لديك ومخاوفك، وبكلمات أخرى "لأنك لم تملك أي خيار"، ولكن الحقيقة أن داخلك لن يخلصك من الشعور بالندم والخوف.
بينما اتخاذ القرار يضعك في موقف القيادي القوي، لأنك مسؤول عما يترتب عليه وما يحتلمه من عواقب، وهو السبب في أن الكثير منا يتجنب اتخاذ أي قرار ويقبل بالتسوية بأقل، لتجنب إدارة الآثار المترتبة على اتخاذ قرار، وهو أكثر ما يخيف البعض، بحسب مييس، على الرغم من أن الخوف جراء العواقب المترتبة على الخيارات الفردية، سيكون دائما من السهل العيش معه، مقابل الرضوخ لتسوية ما، أو وضع تشعر فيه بالخطر والندم بقية الوقت.
- ثانيا: من المهم ممارسة نوع من التمرين الشخصي، تقول مييس، أي أن يحاول الفرد فهم سبب القبول بالتسوية والدافع وراءها، وهل هو الخوف من المجهول، أي عدم توفر المصادر الكافية لاتخاذ القرار من الأصل، فكلما تنوعت أسباب القبول بالتسوية تتضح الصورة لدى الفرد نفسه من معرفة سبب إقدامه عليها، ويصبح أكثر قدرة على تحدي الخوف الذي يحرك خياراته.
- خذ وقتك بالتفكير بالأمور التي تهمك فعلا بالحياة، مدركا أن كل الخيارات لديها القدرة على إحداث تحول بحياتك، ولكن بعض الخيارات أكثر أهمية من أخرى، خصوصا تلك التي تنهي الفوضى العارمة في حياتك، مقابل القبول بخيارات تنثر الفوضى وتجعلك تقبل بما هو أقل مما تريده، وهذا ما يغيب عنك، الفرق بين ما تريده وما تحتاجه في حياتك سواء في العلاقات أو العمل.
وغالبا فإن اتباع الطريق الذي تريده، يكون مليئا بالخيبات، لأنه قائم على نطاق الألم والسرور، ومن السهل أن ينكسر، ولكن طريق ما تحتاجه هو أعمق في الروحانية ومبني على التحدي، وتولي المسؤوليات ومن خلال التحديات تنكشف لنا موهبتنا الداخلية في تحديد المسارات، وتتحول من شخص خاضع لشخص قادر على قول: ربما أريد هذا ولكني احتاج ذلك أكثر، وهو أمر مرتبط بتحويل القيم لما يتناسب أكثر مع وئام الحياة الداخلية للفرد، وهو ما يسهل عملية اتخاذ القرار لاحقا بخوف أقل ربما.