عمر السبع
هل من الممكن فعلًا أن أنشِّىء أبنائي على النظام ويصبحوا منظمين؟
سألني صديقي هذا السؤال مندهشًا، فهو يرى أن شأن الأطفال دائمًا هو الفوضى في كل شؤونهم؛ في مظهرهم وحجرتهم الخاصة، وأدراج لعبهم، بل وحتى أدواتهم الدراسية، فإذا شبُّوا وكبروا؛ فإنهم حينئذ يتعلمون النظام والترتيب!
فأجبته قائلًا:
لا يا صديقي العزيز، إن بإمكانك أن تنَشِّىء أبناءك على النظام والترتيب بيسر وسهولة، حتى لو كان داء الفوضى قد تسرَّب إليهم بالفعل؛ فالصغير سريع القبول للعلاج جدًا، لعدم وجود المعارِض عنده؛ من كبر أو عناد أو رياسة؛ فيمكن ترسيخ الخلق الحسن فيه بسهولة، كما أن غرس هذا الخلق والسلوك الحسن في نفس الصغير بداية؛ أمر ميسور إن شاء الله من خلال اتباع الخطوات الآتية:

1- ضرب المثل والأسوة الحسنة:

أولًا: بنفسك: باكتسابك- عزيزي المربي- سلوكيات التنظيم؛ يتعلم أبناؤك هذا السلوك الراقي منك، فالقدوة الحسنة خير وسيلة لتعويد الطفل على النظام؛ إذ أن الطفل بطبعه ينمو على التقليد، ويقلد غالبًا من يحبهم ويعاشرهم لأوقات طويلة؛ كالوالدين والأشقاء ومجتمع المدرسة، فكونه ينمو ويكبر، وهو يرى مَن حوله من الكبار يمارسون النظام سلوكًا عمليًا في كل شؤونهم؛ يجعله هذا الوسط المنظم يتشرب سلوك النظام والترتيب؛ فلا يحسن غيره من الفوضى والبعثرة.

ثانيًا: الرسول صلى الله عليه وسلم قدوتنا في النظام:

قُصّ على طفلك مواقف من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، والتي يتجلى فيها خلق النظام؛ مثل موقف الهجرة إلى المدينة، كيف خطط لها النبى صلى الله عليه وسلم؟ ونظَّم أمور الهجرة، ووزَّع الأدوار على الصحابة الذين شاركوا معه، وكذلك بيان عاقبة مخالفة النبي صلى الله عليه وسلم في تنظيمه للأمور، مثل ما حدث في غزوة أُحد، عندما خالف الرماة أمر النبي صلى الله عليه وسلم، وتركوا أماكنهم المحددة لهم.

ثالثًا: والصحابة الكرام:

وكيف لا وقد تخرَّج الصحابة الكرام رضي الله عنهم  في مدرسة النبوة، وتربوا فيها على النظام والتخطيط، فهذا أبو بكر الصديق يخطط وينفذ جمع القرآن بنظام محكم، وينظم الجيوش لفتح العراق والشام، وكذلك كان الفاروق عمر من بعده فذًّا في الإدارة والتخطيط والتنظيم، فهو أول من أنشأ الدواوين، وأول من نظَّم البريد، وأول من أرَّخَ للأمة بالتاريخ الهجري.



والملائكة الأبرار قدوة في النظام:

أخبرنا الله تعالى في القرآن الكريم في أكثر من موضع أن النظام صفة أساسية من صفات الملائكة الأبرار في أعمالهم وعبادتهم، فقال تعالى في صدر سورة الصافات: {وَالصَّافَّاتِ صَفًّا} [الصافات: 1] فهذا قسمٌ من الله تعالى بالملائكة، الذين يصفُّون أنفسهم صفًّا لعبادة الله تعالى، وقال تعالى أيضًا على لسان الملائكة، وهى تخبر عن عبادتها المنظمة لله تعالى: { {وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ} [الصافات: 165] وقد حثنا النبي صلى الله عليه وسلم على الإقتداء بهم في ذلك فقال: (ألا تصفُّون كما تصف الملائكة عند ربها؟) قالوا: يا رسول الله، وكيف تصفُّ الملائكة عند ربها؟ قال: (يتمون الصفوف ويتراصون في الصف) [رواه مسلم].

2- التفكر في نظام الكون:

وجِّه أبناءك إلى النظر والتأمل في النظام الدقيق، الذي أبدع الله تعالى الكون وفطره عليه، والفِت أنظارهم إلى مواطن النظام في سير الكون من حولهم، فتقول:

انظر يا بنى: فالشمس تشرق كل يوم، فيأتي معها النهار حيث العمل والمذاكرة والحركة والنشاط، ثم تغيب فيأتي الليل حيث يظهر القمر، فتنام معظم المخلوقات وترتاح، ومن تقدير الله تعالى ونظامه المحكم في خلقه ألا يدخل النهار على الليل قبل انقضائه، بل هما يتعاقبان-يأتي أحدهما بعد الآخر- بحساب معلوم، ونظام لا يختل أبدًا، وكذلك الشمس لا تطلع أبدًا في الليل ولها ضياء، ولا يطلع القمر بالنهار وله نور، قال تعالى: {والشَمَسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍ لَها ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العًلِيم*وَالقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالعُرْجُونِ القَدِيم*لَا الشَمْسُ يَنبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ القَمَرَ وَلا اللَيلُ سَابقُ النَّهَارِ وَكُلٌ في فَلَكٍ يَسْبَحُون} واختلال هذا النظام لا يكون-إن شاء الله تعالى- إلا عند انتهاء الدنيا وبداية الآخرة، وأن في ذلك إخبار من الله لنا أن حياة البشر ما دامت قائمة ومستمرة؛ فلا بد أن تكون منظمة، وأن اختلال النظام فيها يعني نهايتها.

النظام في المخلوقات:

تأمل -يا بنى- في ممالك الطير والحيوان والحشرات؛ تدرك كيف تعيش حياتها بنظام بديع، مثلًا: مملكة النحل، وهذا النظام الدقيق الذى تعيش به، فبالرغم من صغرها؛ إلا أنها تعيش حياة منتظمة، تصنع بيوتها من الشمع في أشكال سداسية متساوية الأضلاع في غاية من الدقة والإتقان، وكأنها قرأت كتاب إقليدس، هل تدرى لماذا؟ لأن المطلوب من الدُّور هو الوثاقة والسعة، والشكل المسدس دون سائر الأشكال، إذا انضمت بعض أشكاله إلى بعض؛ صار شكلًا مستديرًا كاستدارة الرحى، ولا يبقى فيه فروج ولا خلل، ويشد بعضه بعضًا، حتى يصير طبقًا واحدًا محكمًا، فعلمت النحل أنها تحتاج إلى أن تبني بيوتها من أشكال موصوفة بصفتين:

إحداهما: ألا تكون زواياها ضيقة؛ حتى لا يبقى الموضع الضيق معطلًا ولكي، لا تتجمع فيه القاذورات.

الثانية: أن تكون تلك البيوت على أشكال إذا انضم بعضها إلى بعض؛ لا يبقى منها أى مساحة ضائعة، والشكل الذي تتوفر فيه هاتين الصفتين معًا هو الشكل المسدس، لا المثلث ولا المربع، فمن الذي علمها وهداها أن تبني بيوتها على هذا الشكل المتقن، بدون مسطرة أوآلة هندسية؟ إنه الله تعالى الذي أحسن كل شيء خلقه.

وهذا النظام يحكم جميع جوانب حياة مملكة النحل، وإذا لم تتمكن من رؤية النحل وخليته؛ فإنك بالتأكيد قد رأيت النمل، أرأيت كيف يسير في نظام وخطوط مستقيمة؟ كل نملة تعرف دورها، وتعمل بنظام طوال فصل الصيف من أجل جمع الغذاء، وتخزينه لفصل الشتاء، وذلك بجهود متعاونة لمجموعة كبيرة من النمل، ألا يدلك ذلك يا بني، على أن الله تعالى يريد أن يعلمنا أنه بالنظام والعمل الجاد فقط تستطيع مخلوقات الله أن تعيش؟ ولكي يكون لنا فيها أسوة حسنة في النظام وحسن التدبير؟

والآن يا صديقي العزيز...

إذا نجحت في الخطوتين السابقتين؛ فإنك تكون قد وضعت الأساس المتين لهذا الخلق الحضاري في نفوس أبنائك، وذلك من خلال الربط الرائع بالعقيدة والتوحيد في أبواب: الإيمان بالله تعالى والملائكة، وربطهم بشخص النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام كقدوة حسنة، ودرَّبتهم على عبادة التأمل التى تورث إيمانًا ويقينًا.

ولكن لم تنته الخطوات بعد، بقي عليَّ أن أوضح لك بعض الخطوات العملية لتدريب الأحباب الصغار على خلق النظام؛ ليكون شعارًا لهم وديدنًا بإذن الله تعالى، فانتظرني في الحلقة القادمة إن شاء الله.

خطوات تعليم ابنك النظام:

1- الحب والإحترام المتبادل أساس تعليم النظام:

فالطفل يطيع عندما يحب، ويعصى عندما يكره، وهكذا فإن النظام مرتبط إلى حد بعيد بالطاعة والمحبة،كما نرى أبنائنا يهتمون بمادة دراسية اكثر من أخرى، وما ذاك إلا بسبب حبهم للمدرس أو المدرّسة، وبالتالى فهم يطمحون بنيل رضاهم، وقد قيل:"إن المحب لمن يحب مطيع".

إذن من المهم إرشاد الطفل فى أى مرحلة عمرية بطريق الرفق والحنان، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم منهجه الرفق حيث قال:" إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطى على الرفق مالا يعطى على العنف " ويقول:" إن الرفق لا يكون فى شىء إلا زانه، ولا ينزع من شىء إلا شانه"

2- ناقشهم فى جدوى النظام وفائدته لهم:

وذلك من باب تعويد الأبناء على الطاعة المبصرة وليست العمياء، وذلك أدعى لإستمرارهم فى التمسك بأى قيمة نغرسها فيهم بعد ذلك،فلك ان تسأل طفلك :

لماذا ننظم أشيائنا؟

-         لأن المسلم رُبّى ليكون منظماً كنظام الكوم الواسع.

-   التنظيم توفير للوقت بدلاً من إضاعته فى البحث عن المفقودات من المتعلقات والمعلومات، مما يوفر فى النهاية وقتاً للقراءة وممارسة الهوايات.

-   النظام يحمى الشخص المنظم من الملل، ويكسبه صفة المثابرة والإستمرارية فى العمل إن اتبع خطة يسير عليها دائماً، وهذا هو منهج النبى فقد قال:" أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل."

-         النظام والتخطيط  هما الطريق الأقصر للوصول إلى أهداف الإنسان وغاياته.

-   الإنسان المنظم يستطيع أن يتعرف على نقاط قوته وضعفه، وهذا يجعله أقدر على مواجهة المشكلات والتغلب عليها، كما يستطيع أيضاً تعديل أنماط  تفكيره وسلوكه ليحقق النجاح  والتقدم.

3- يجب ألا يفوق النظام قدرات الإبن:

وذلك لكى يكون النظام واقعياً ومقبولاً، وكما نعلم فلكل طفل قدراته المختلفة عن الآخر، ولكلٍ ميوله وإمكانياته، واعلم أنك إذا كلفت طفلك باتباع نظام قاس ٍ فوق طاقته فسيعمد هارباً إلى الفوضى المريحة، لذلك احرص على أن تكون الأوامر مناسبة لإمكانيات الطفل، وليكن نبراسك فى ذلك قول الله تعالى:" لا يكلف الله نفساً إلا وسعها".

4- دعم التعليمات المباشرة بالتشجيع:

فهكذا يكون التدريب الأمثل على النظام، حتى يصبح النظام جزء من حياتهم يسيرون عليه دون تفكير أو مساومة، مع ضرورة توزيع المهمات على الأولاد بما يناسب سنهم، بحيث يأخذ كل واحد منهم مهمة مناسبة،فيمكن مثلاص إعطاء طفل السنتين مهمة تفريغ الغسالة الآلية من الغسيل، وجلب الفاكهة من الثلاجة، وللأكبر منه قليلاً جلب الخبز والماء إلى مائدة الطعام، ومساعدة الأم فى رفعه، وللأكبر يمكن تكليفه بشراء بعض احتياجات المنزل من محل البقالة القريب،وهكذا.

5- المتابعة والتعليم خطوة خطوة:

دونوا معاً مهمات كل فرد، وضع ملابسه على المشجب، ووضع الملابس المتسخة فى الغسالة، ووضع الكتب على الرف، والقصص فى الصندوق، وضع الحذاء مرتباً فى مكانه المعد بالقرب من باب المنزل، تلميع سطح المنضدة وهكذا. إن هذه الطريقة تعلم الطفل حرفياً خطوة خطوة بمرح ولطف ما الذى يعنيه ترتيب الغرفة، مع التخطيط المشترك لما يجب عليه أن يفعله، وفى ذلك احترام محفّز للطفل.

6- الحوافز:

اعتمد أسلوب الحفز والمكافأة فإنه من أفضل أساليب غرس العادة الطيبة فى نفوس الأبناء، وليكن أسلوبك مرحاً ، مثلاً: ضع قطعة من الحلوى فى مكان ظاهر أو فى علبة مخصصة لجائزة كل من يلتزم بالنظام من الولاد طول اليوم، كما يمكنك أن  تمنح الفائز من الأولاد فى نهاية اليوم جائزة معنوية مثل:

-  قراءة قصة إضافية له
-  أو مشاركته فى لعبة
-  أو الخروج معه فى نزهة قصيرة
-  أو منحه لافتة النظام الشرفية فتعلق على باب حجرته أو فوق سريره وقد كتب عليها اسمه مع عبارة ثناء على التزامه بالنظام.

ويجدر بك هنا أن تتشير إلى ان إلتزامه بالنظام كان سبباً فى توفير وقت للعب الإضافى أو الترفيه، فهذه الطريقة تساعد على تثبيت العادة الطيبة، كما تجعل الطفل يدرك بالفعل أهمية وفائدة النظام بالنسبة له.

والآن يا صديقى العزيز..

أعتقد أن المهمة قد أصبحت أكثر وضوحاً ويسراً، كما أنى كلى ثقة فى قدرتك على تطبيق هذه الخطوات مع أبنائك الأعزاء، ليكونوا هم عمّا قليل قدوة لغيرهم فى النظام والترتيب.

وأخيرًا:

ـ تذكر أخي المربي أن عدم إشباع معظم الحاجات العضوية يؤدي إلى الموت، ولكن الحاجات النفسية ليست كالحاجات العضوية، فعدم إشباع الحاجات النفسية لا يؤدي إلى الموت، ولكنه يترك أثرًا خطيرًا على الشخصية، ويبدو هذا الأثر في سلوك الفرد ومقدار سعادته كما يبدو أثناء تعامله مع غيره [التربية بالحب، د.ميسرة طاهر].

فمن نتائج تلك المعاملة أن الطفل ينشأ لا يعتمد على نفسه، غير قادر على تحمل المسئولية بحاجة لمساندة الآخرين ومعونتهم، كما يتعود الطفل على أن يأخذ دائمًا ولا يعطي، وأنَّ على الآخرين أن يلبوا طلباته وإن لم يفعلوا ذلك يغضب ويعتقد أنهم أعداء له، ويكون شديد الحساسية وكثير البكاء) [تربية الطفل النفسية في الإسلام، سيما راتب عدنان].

المصادر:
· تربية الطفل النفسية في الإسلام، سيما راتب عدنان.
· التربية بالحب، د.ميسرة طاهر.

JoomShaper