عمر السبع
قضى كريم وهو في السادسة من عمره أسبوعًا رائعًا عند أبناء أعمامه، وكانت أسرة عمه مكونه من ثلاثة أبناء من الذكور تتراوح أعمارهم بين ست واثني عشر عامًا، وعندما جاء والداه لاصطحابه للعودة إلى المنزل الذي كان يبعد مائة ميلًا من منزل هذه الأسرة، لا حظا أن كريم يبدو وكأنه كبر قليلًا واكتسب المزيد من الثقة بالنفس ولكنه كان بالطبع على أتم استعداد للعودة إلى منزله حتى ينضم إلى صحبته الصيفية من الأصدقاء.
وفي أول ليلة بعد عودته إلى منزله، ذهب الأب إلى الشرفة لكي يطلب من كريم وكان يلعب مع الأصدقاء كرة السلة في ممر السيارات الخاص بالحي، ، فقال الأب لقد حان موعد العودة، هيا انه وقت العشاء.
ولكن كريم الذي كان بطبعه طفلًا سمحًا ومتعاونًا قد صدم أباه وجيرانه عندما رد عليه قائلًا " كلا يا أبي لن أعود الآن كما أنك لا يمكن أن تجبرني على ذلك؟!!!!!!!!!
في السيارة
ركب هاشم السيارة مع جدته للذهاب إلى السوق وفي الطريق أخرج هاشم رأسه من نافذة السيارة. وأخذ يشير إلى الأطفال الصغار وإلى الكبار بيده من خارج النافذة وهو في قمة السعادة والتسلية . فلاحظت الجدة ما يفعله هاشم فقالت له خوفًا عليه: " يا ولد أدخل رأسك من النافذة " فرد الطفل بطريقة مباشرة ومن غير تردد " وما دخلك في هذا. أني حر أفعل ما أريد "
فصرخت الجدة في وجهه وقالت أهكذا تكلم جدتك وترد عليها.. وهمت أن تضربه لكنه أشاح بوجهه بعيدًا عنها فقالت له: " إن هذه آخر مرة آخذك معي فيها إلى أي مكان. "
الطفل المتبجح سر يحتاج إلى تفسير.
كثيرًا ما يرد أطفالنا بهذا الشكل المتبجح. وبطريقة لم نكن نعتادها منهم من ذي قبل. فإذا ما واجهنا هذا السلوك الغير سوي والذي ترفضه الفطرة بكل مقاييسها نصعق ويختل توازننا ولا نعرف كيف نتصرف مع هذا السلوك. وكيف لا وهذا السلوك الغير سوي يرفضه الإسلام بكل قوة ويحذر منه أشد تحذير فقال تعالى: " فلا تقل لهم أف ولا تنهرهما وقل لهما قولًا كريمًا " فكيف إذن نتصرف عندما يقول أبنائنا الأف وينأون عن القول الكريم؟!!
أم ما هو السبب الذي يدفع أبنائنا إلى هذا الأسلوب المتبجح حتى نستطيع أن نعالجه؟!!
بداية نتعرف على سبب الداء.
لماذا يتصرف الطفل بالتصرف المتبجح؟
نحن الآن بصدد الإجابة ولكن قبل أن نتعرف على الإجابة نريد أن نراجع أنفسنا ونستحضر النية في العلاج حيث أن التعرف على سبب الداء أول خطوة لوصف الدواء.
عزيزي المربي: إن الطفل لا يلجأ في العادة إلى التفوه بمثل هذه الكلمات أو أنواع الحديث تلك إلا عندما يكون هناك ما يسبب له الضيق. ومن هذه الدوافع:
1. حاجته إلى الاهتمام:
قد يكون سلوك الطفل البذيء هذا ناتجًا عن الرغبة في جذب الاهتمام، ، حيث أن كثيرًا من الآباء يهملون أبنائهم، ، ولا أعني بإهمالهم الإهمال في المأكل أو المشرب أو الملبس. فإن الآباء جلهم لا يهملون هذا الجانب بل يبذلون له كل وقت ولكني أعني بالإهمال المعنوي ليس الإهمال المادي. الإهمال الذي يجعل الأب لا يسأل على طفله ولا يلقي عليه السلام ولا يتابعه في مدرسته، ، والإهمال الذي لا يجعله يجلس معه ساعة في البيت يحدثه ويحدثه يحاوره ويحاوره يأخذ رأيه ويسمع منه ويعرف أفكاره وهواياته ومهاراته. هذا النوع من الإهمال قد يكون سببًا في السلوك المتبجح.
2. الرغبة في التجربة.
ما الذي يمكن أن يحدث إذا تفوهت بكلمة بذيئة؟؟
هذا هو السؤال الذي يتردد في ذهن طفلك عندما يفكر أن ينطق بكلمة بذيئة سمعها من أحد أصدقائه في المدرسة أو من أحد جيرانه فالطفل لا يزال في كل مرحلة من مراحل عمره يحاول أن يكتشف كل ما هو جديد فيا ترى ما هو رد فعلك عندما أتفوه بهذه الكلمة.؟؟
3. النماذج الإعلامية.
إن أطفال الأفلام ونجوم الكوميديا في التلفاز الذي تلتف حوله جميع أفراد الأسرة لا يتسمون بالأخلاق الكريمة كما يظن البعض بل إن في برامج الأطفال نماذج لأطفال يعاملون آبائهم بطريقة غير سوية ويتلفظون ألفاظ بذيئة ويرفعون أصواتهم على آبائهم والطفل بالطبع يجلس يتفرج ويقتبس من هذا النبع الغير مضبوط.
4. مطالب أبوية بعيدة عن الواقع.
ماذا تظن أن يكون رد فعل أطفالك الصغار إذا قلت لهم في يوم من أيام الأجازة أن يخلدوا إلى النوم مبكرًا.
هل تظن أن يخضع هؤلاء الأطفال ويقدموا لك الولاء والطاعة.
بالتأكيد هذا أمر مستحيل ولذلك صدق المثل الذي يقول: " إذا أردت أن تطاع فأمر بما يستطاع "
فمن الأمر الطبيعي والبديهي للغاية أن يرفض الأبناء طاعة آبائهم عندما يطلبون منهم أشياء مستحيلة المنال وصعبة التطبيق.
5. تاريخه في التدليل.
بالتأكيد التدليل من الأسباب الرئيسية للسلوك المتبجح. لأن الطفل إعتاد على أن يحصل على كل ما يريد بعد النواح، ، فأصبح الفضل بالنسبة لديه حقًا وأصبح الحق بالنسبة له أمرًا لا بد له من تنفيذ.
كيف يمكننا أن نتعامل مع الطفل المتبجح؟
إليك عزيزي المربي مجموعة من الوسائل العملية التي تساعدك على التعامل مع الطفل المتبجح:
1. كن قدوة حسنة، فلا يصح أبدًا أن تسعى لتحسن من خلق طفلك أنت لا تستطيع أن تضبط نفسك عن الأخلاق البذيئة والألفاظ السيئة.
2. لا تنظر إلى الأمر بشكل شخصي، إن الانفجار في وجه طفلك لن يصلح سلوكه بل إنه يمثل شكلًا آخر من أشكال السلوك التي لا ترغب بالقطع أن ينقل ا ابنك عنك.
3. لا تبادر بتعنيفه فكلاكما بحاجة إلى الهدوء. يمكنك إن لزم الأمر أن تغادر الغرفة وتعود إليها ثانية، ، ليكن رد فعلك هادئًا، حيث إن رد الفعل الهادئ يكون أكثر فاعلية بدرجة كبيرة.
4. إن لم تكن هادئًا، انتظر إلى أن تهدأ حتى تتعامل مع الموقف.
5. حاول أن تتعرف على الأسباب التي دفعت الطفل للإقدام على هذا السلوك، والذي لن يكون له على الأرجح أية علاقة بك.
6. أطلق مسمى على ما بدر منه من سلوك واشرح له أنه غير مقبول.
7. قدم له بدائل إن كان ذلك مناسبًا
8. إذا تكرر السلوك بعد التنبيه يمكنك أن تحرمه من بعض الإمتيازات.
وأخيرًا:
تذكر أيها الوالد، أن (ن الغضب إذا كان متناسبًا مع المثيرات التي تولده كان ذلك رد فعل طبيعي, فالطفل الذي لا يغضب إطلاقًا لا يمكن اعتباره سويًا.
والثورة العنيفة لكل سبب مسألة يجب توجيه الطفل إلى تلافيها, مع ملاحظة أن الغضب الذي يتم كفُّه يومًا بعد يوم خوفًا من العقاب لابد أن يتراكم ويشتد حتى يصل إلى الانفجار في صورة عدوانية تدميرية) [الصحة النفسية للطفل، د.حاتم محمد آدم، ص(99)].
(أما الطفل الذي لا يستطيع التعبير عن غضبه، فليست لديه حدود, وسيعامله الجميع بطريقة لا تحافظ على مشاعره, كما أنه سيكون أقل احتمالًا لأن يقول "لا" لضغط أقرانه كلما تقدم به العمر, كما أن لكبت الغضب عواقب سلبية أخرى, فقد سأل مستشار نفسي ذات مرة مجموعة من الأطفال عما يحدث عندما يتم التعبير عن الغضب:
المستشار: هل تُفرِّغون شحنة الغضب في الفضاء؟
الأطفال: لا
المستشار: إذًا أين تذهب شحنة الغضب؟
الأطفال: إنها تذهب داخلك.
المستشار: وماذا إذا لم تُعبِّر عن الغضب عندما تشعر به؟
الأطفال: سيرتكب الفرد شيئًا غبيًا أو فقط يشعر بالسوء)[قوة الحديث الإيجابي، دوجلاس بلوك، ص(195- 196)].
ولضمان أن يكون طفلك حسن الخلق، هذه وسائل أضفها إلى الوسائل السابقة في تدريب طفلك، مثل:
(- تربية الأطفال تربية متوازنة تقوم على الأخذ والعطاء، وتنمية القيم الإيجابية لديهم، على أن يكون هناك تفاهم واتفاق كبيرين بين الأب والأم على هذا الأسلوب المتوازن والإيجابي في تربية أبنائهم.
- عدم اللجوء إلى العدوان والغضب الشديد عندما يخطيء الطفل، والتحلي بالهدوء والتحكم في الذات، فقد أثبتت الدراسات النفسية أنّ العقاب القاسي لا يمنع الطفل من السلوك العدواني بل يقوده إلى مزيد من العدوان نتيجة شعوره بالإحباط.
- لابد من توفير عدد من اللعب كالدمى ودفاتر التلوين وألعاب الفك والتركيب، بين يدي الطفل؛ لكي يستطيع أن ينفس ما لديه من طاقات عدوانية .
- ترديد الحكايات والقصص التي توضح للطفل أهمية الهدوء والسكينة والرحمة، وعيوب العنف والعدوان) [الاضطرابات النفسية للأطفال والمراهقين، د.سعد رياض، ص(35)، بتصرف].
المصادر:
· الاضطرابات النفسية للأطفال والمراهقين، د.سعد رياض.
. قوة الحديث الإيجابي، دوجلاس بلوك.
· الصحة النفسية للطفل، د.حاتم محمد آدم.