الولد (عمر)، في الصف الرابع ابتدائي، حمل سجل علاماته المدرسية الباهرة إلى والده الذي كان يقرأ الصحيفة اليومية، تقدم الولد من والده وهو يبتسم قائلًا: إليك يا والدي إنجازاتي الدراسية التي حققتها هذا العام، إنها بلا شك ستسرك جدًا، وبدلًا من أن يقطع الوالد قراءته للصحيفة، ويبادره بالاستحسان والإثابة، طلب منه الذهاب إلى والدته ليسألها عن الوقت الذي يكون فيه الطعام جاهزًا، معتذرًا من الولد لأهمية الموضوع الذي يقرأه في الصحيفة.
لا تعليق!!
مريم و الصحون!!
البنت (مريم)، رغبت في أن تفاجئ أمها بشيء يسرها، فعمدت إلى غسل جميع الصحون التي استعملت في فترة وجبة الغذاء، فقالت لها: أماه ها قد غسلت جميع الصحون، ألا يسرك هذا؟ الأم: لقد حان الوقت لأن تقومي بعمل كهذا، ولكن لماذا لم تنظفي الأواني الموجودة في الفرن، هل نسيتي ذلك؟
أحمد والوالد الواعي!!
عاد أحمد من يومه الرياضي مسرورا. فاستقبله والده بحفاوة ورفعه أليه معانقا إياه. ثم أنزله على الأرض وقال له بأبتسامة عريضة: هاحدثني عن إنجازاتك اليوم ؟؟
فقال أحمد بثقة: أبنك اليوم يا والدي يفوز بالسباق.. ويحصل على المركز الأول في رياضته المفضلة.
الوالد وهو يرفع أحمد مرة أخرى إلى السماء بيديه ويجري به ضاحكا بأعلى صوته" أبني سباق عظيم. أحمد سباق كبير!!
هنا يكون التعليق!!
عزيزي المربي.
أحسنت!! لغة يحبها طفلك. بل يحتاج إليها طفلك. بل لا غنى لطفلك عنها.
أحسنت!! لغة ينمو بها طفلك وجدانيا ونفسيا وعقليا.
أحسنت. حاجة نفسية للكبار فكيف أذن بالصغار ؟!
أحسنت. لغة لها أصل في النقل قبل العقل وفي سنة النبي صلى الله عليه وسلم قبل كتب علم النفس وكلام علماء النفس و المتخصصين.
ولكن للأسف كثير من لآباء يجهل استخدام هذه اللغة أما لجهله بها أو انشغاله عنها أو لاعتقاده الخاطيء أنها مدعاة للكبر و الغرور.
إلى كل هؤلاء الآباء نقول:
أحسنت: يقولها النبي صلى الله عليه وسلم!!
لقد حرصت السنة النبوية في تضميناتها التربوية على أن توجه الآباء و المربين إلى مساعدة الناشئين على إشباع حاجاتهم إلى النجاح، و تشجيعهم على أي مستوى يحققونه فيه تحفيزا لهم على مزيد من الاهتمام و الحرص والاجتهاد في مناشط الدين والدنيا.
فعن علي رضي الله عنه قال: ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفدي أحدا غير سعد، سمعته يقول:
(أرم فداك أبي و أمي، أظنه يوم أحد) [رواه البخاري]، عزيزي المربي إن لك في رسول الله أسوة حسنه
خاطب طفلك بهذه اللغة. لغة أحسنت:
عزيزي المربي أحسنت يقولها النبي صلى الله عليه وسلم أيضا مع عبد الله أبن عمر فقال له عليه الصلاة و السلام لعبد الله بن عمر (نعم الرجل عبد الله أن كان يقوم من الليل)
وأن المتأمل لحال القادة و العلماء سيجد أنه من الأسباب الرئيسية لنجاحهم وتفوقهم أن مربيهم الناجحين كانوا يستخدمون معهم لغة" أحسنت" وخير مثال على ذالك محمد الفاتح مع شيخه آق شمس الدين!!
أحسنت. حاجة نفسية وضرورة حيوية!!
عزيزي المربي:
من أهم الحاجات النفسية التي تتطلب الإشباع لدى الطفل وتؤثر على سلوكه ونشاطه ومجهودا ته هي الحاجة إلى النجاح. وكلما حقق الطفل نجاحا دفعه إلى مزيد من النجاح، و أدخل على نفسه السرور و البهجة، وغمره بالغبطة و السعادة، وجعله ينظر إلى الحياة نظرة متفائلة ملؤها الثقة و الأمل.
وإشباع الحاجة إلى النجاح يجعل الطفل محل الاحترام و التقدير و القبول الاجتماعي، وهو ما يقوي علاقاته الاجتماعية، و يحفزه على أن يقوم بدور فعال في المجتمع.
ولكي تتم مساعدة الطفل على تحقيق هذا النجاح المنشود فلابد من حسن الصبر عليه، و حسن توجيهه و إرشاده، وعدم إحباطه وتحقيره وتضخيم أخطائه و قصوره.
أن الذي يخشى الفشل يظل أسيره بفقدانه الثقة بنفسه و خفوت جذوة حماسه للتحدي و المحاولة و الخطأ، ولا شيء يدفع إلى المزيد من الفشل أكثر من الخوف منه. و أحسنت أخي المربي تقضي على هذا الشعور.
أحسنت. اجتماعية. و مادية.!!
وهذا هو واحبك العملي عزيزي المربي.
السؤال المطروح هنا هو: ما نوع الإثابة الواجب استخدامها، وأي منها تبدو أكثر فعالية ؟
1- الإثابة الاجتماعية: هذا النوع من الإثابة هو على درجة كبيرة من الفعالية في تعزيز السلوك التكيفي المقبول المرغوب عند الكبار والصغار معًا. ونعني بالإثابة الاجتماعية، الابتسامة والتقبيل والمعانقة والربت والمديح والاهتمام، وإيماءات الوجه وتعبيرات العين المعبرة عن الرضا والحبور والاستحسان. فالعناق والمديح تعبيران عاطفيان سهلا التنفيذ والأطفال عادة ميالون إلى هذا النوع من الإثابة بالإضافة إلى التقبيل، لأن فيهما مضامين عاطفية، وحنان وحب.
قد يضن بعض الآباء على أولادهم إبداء الانتباه والمديح لسلوكيات مليحة مستحسنة أظهروها، إما بفعل انشغالهم المفرط في أعمالهم اليومية، فلا وقت عندهم للانتباه إلى سلوكيات أطفالهم، أو لاعتقادهم، خطأ طبعًا، أن على أولادهم إظهار السلوك المؤدب المهذب بدون الحاجة إلى إثابة ومكافأته. فالطفلة التي رغبت في مساعدة والدتها بإعادة ترتيب غرف النوم أو في بعض الشؤون المنزلية، ولكنها لم تقابل على هذا العون بأيه إثابة من والدتها، فإنها، في أكثر الاحتمالات، لن تكون متحمسة إلى إبداء هذا العون لوالدتها مستقبلًا تلقائيًا.
يبدو المديح فعالًا في تعزيز السلوك المرغوب للطفل. وهنا يتعين إثابة السلوك ذاته وليس الطفل، لأن الهدف هو جعل هذا السلوك متكررًا مستقبلًا فالطفلة التي أعادت ترتيب غرفتها ونظمتها، يمكن إثابة سلوكها من قبل الأم بالمقولة التالية:
(تبدو غرفتك فاخرة رائعة، وتنظيفك لها وإعادة تنظيمها هما عمل أفتخر به يا حبيبي)
وهذه المقولة لها وقع أكبر في نفسية البنت من القول التالي: "أنت فتاة جيدة".
2- الإثابة المادية: إلى جانب الإثابات المعنوية الاجتماعية هناك المكافآت المادية، كإعطاء الطفل أو الطفلة الحلوى، والألعاب والدراهم، أو إشراك الطفلة في إعداد الحلوى مع والدتها تعبيرًا عن شكرها لها، أو اصطحاب الطفل برحلة ترفيهية خاصة..
ودلت الاحصائيات على أن الإثابة الاجتماعية تأتي بالدرجة الأولى في تعزيز السلوك المرغوب، بينما تأتي الإثابة المادية بالدرجة الثانية، ولكن هذا لا يمنع من وجود أطفال يفضلون الإثابات المادية. وفيما يلي الإثابات التي أتضح أن الأطفال يفضلونها:
الإثابات الاجتماعية الإثابات المادية
الابتسامات شراء بوظة
العناق شراء ساعة
الربت إعطاء مال
الاهتمام شراء لباس
اللمس والاتصال شراء بالونات
مصافحة اليد شراء حلوى خاصة
وأخيرًا:
هذه بعض النصائح لكي تستخدم أسلوب التدعيم مع ولدك أخي المربي:
(1- عدم المباشرة في توجيه النقد إلى أخطاء الابن، فإذا سألت عن الخطأ قلت: ماذا حدث؟ وليس من فعل؟، إن الأولى أن تركز على الخطأ، والثانية تركز على الشخص، والمطلوب من الإرشاد تصحيح الخطأ، وليس توبيخ الشخص.
2- اختيار الوقت والمكان المناسب لذلك التنبيه، فإذا أردنا النصيحة المباشرة للابن فليكن ذلك في خصوصية كاملة، في جلسة هادئة مع الابن تربط فيها على كتفه، وتمتدح سلوكياته الأخرى، وتؤكد على ثقتك في عقله واختياره.
3- عدم فقد الأعصاب عند تصويب الخطأ، فإرشاد الابن لابد أن يكون جلسة "تشاور" وليس حوارًا بين غاضبين، ذلك أن الغضب سيؤدي إلى زيادة نقدك لـ"شخص" الابن أكثر مما سيؤدي إلى تصويب الخطأ، بل ربما أدى فقدان أعصابك إلى نسيانك ما هو الهدف من التحاور مع الابن!!
4- البدء دائمًا بالتقدير والمدح الحقيقيين، في خلال جلسة التحاور مع الابن لإرشاده، فلا تقم بتجريحه أو سرد كل عيوبه واحدًا تلو الآخر، بل على العكس من ذلك، قم بإخبار الابن أنه نعم الابن وقم بالثناء على سلوكياته الطيبة الكثيرة، وأن هذا الخطأ الذي تتحدث معه فيه أنت على يقين أنه خطأ عارض في حياة مليئة بالطيب من القول والفعال، إن هذه الكلمات الطيبة تساعد في خلق جو من الود والرغبة من الابن في التعاون معك للوصول إلى ما يرضيك.
5- إذا تتطلب الخطأ عقوبة، فلابد أن تكون متناسبة معه، ولابد أن تتذكر دائمًا الحقيقة الهامة "إن العقوبة هدفها الإصلاح، وليس الانتقام".
6- مدح أدنى تحسن لسلوك الابن، "فمثلًا: إن كان لديك ابن، وما زال في السنوات الناعمة في الصف الابتدائي، فراقب وجهه مباشرة بعد أن يحضر لك تقرير المدرسة) [21 يومًا للحصول على القوة والسلطة في تعاملك مع الآخرين، جيمس ك.فانفليت، ص(226 -337)، بتصرف].
المصادر:
· أسس التربية الأسلامية في السنة النبوية " د.عبد الحميد الصيد الزنتاني "
· منابع السلوك السيىء عند الأطفال " ترجمة د. محمد حمدي الحجار " تأليف "د. لين كلارك".
·21 يومًا للحصول على القوة والسلطة في تعاملك مع الآخرين، جيمس ك.فانفليت
المرجع: مفكرة الإسلام