عمر السبع
معظم الإخوة يتعاركون، ومعظم الآباء يتدخلون بما يزيد الأمر احتدامًا وعراكًا، فعندما يتدخل الآباء ربما يوقفون العراك لفترة وجيزة؛ لكن الإحباط يصيبهم عندما يرون أن الأطفال يتعاركون بعد ذلك بدقيقتين.
وهنا يبرز السؤال: ماذا عليَّ أن أفعل إذا ما تعارك أطفالي مع بعضهم البعض؟
أهداف العراك:
من الضروري أن نعالج الهدف من العراك مثلما نرغب في علاج السلوك نفسه، فهل يتعارك الأطفال مجازًا لتحسين مكانتهم داخل الأسرة؛ لأن في اعتقادهم أن الفوز سوف يميزهم؟ أم أنهم يشعرون بمعاملة غير عادلة، والعراك هو السبيل الوحيد لتحقيق العدل؟
فالأطفال غالبًا يتعاركون لينالوا مزيدًا من الاهتمام والحب، ولكي تتدخل لتفصل القضية لأحدهما وعندها يشعر بتميزه عن أخيه، إننا في حاجة إلى مساعدة الأطفال على تغيير معتقداتهم الخاطئة حول الخصوصية والتميز، وفي حاجة إلى تعليمهم أساليب بديلة عن العراك للتعبير عن ذلك.

احذر من الانحياز:

لك أن تصدق أو لا تصدق ـ عزيزي المربي ـ أن السبب الرئيس وراء قيام أطفالك بهذا العراك هو توريطك وتدخلك؛ فالأطفال يريدون منك أن تنحاز إلى أحد منهم، وتلوم أو تعاقب الآخر حتى يشعر كل منهم بأهميته.

فالمشكلات تنشأ عندما يعتقد الأطفال أن الحب الذي ينالونه مشروط، وعندما يركز الآباء على المنافسة التي تؤدي إلى حدوث تقييم ومقارنة بين الأطفال، ولا يركزون على التعاون الذي يوضح التميز والاختلافات، فإن التنافس بين الإخوة يخرج عن نطاق السيطرة، فعليك أن تتأكد من وصول رسالة حبك لأطفالك، وأن الجميع محبوبون أيًّا كانت صفاتهم التي تفرقهم عن بعضهم.

وهذه هي الرسالة التي حرص النبي صلى الله عليه وسلم على تفهيمها للرجل الذي أراد أن يكافئ ابنًا دون غيره، فعن النعمان بن بشير أن أمه بنت رواحة سألت أباه بعض الموهبة من ماله لابنها فالتوى بها سنة ثم بدا له، فقالت: لا أرضى حتى تشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما وهبت لابني.

فأخذ أبي بيدي وأنا يومئذ غلام فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله إن أم هذا بنت رواحة أعجبها أن أشهدك على الذي وهبت لابنها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا بشير ألك ولد سوى هذا؟». قال: نعم. فقال: «أكلهم وهبت له مثل هذا؟». قال: لا. قال: «فلا تشهدني إذًا فإني لا أشهد على جور».

ساعدهم على التعاون:

إن الشجار يقل حدوثه كثيرًا إذا ما كان هناك مناخ من التعاون بين أفراد الأسرة؛ ولهذا ينبغي أن توجد مناخًا من التعاون من خلال تقدير الفروق بين الأطفال، وتشجيع الخصوصية والمشاركة في إيجاد الحلول ومعاملتهم باحترام.

ومن الطرق العملية لتعليم الأطفال التعاون وحل مشكلاتهم بأنفسهم أن تضع كلَّ المتعاركين من أطفالك فوق أريكة، وأخبرهم أن عليهم أن يظلوا هناك حتى يأذن كل منهم للآخر أن ينزل من فوق الأريكة ليستأنفوا اللعب، إن ذلك من شأنه أن يحثهم على التعاون بدلًا من العراك.

كما يمكن أن ترسل أطفالك الذين يتعاركون إلى حجرة، وتعطيهم تعليمات بأنهم يمكنهم أن يخرجوا منها بمجرد أن يجدوا حلًّا للنزاع، وإذا كان الأطفال يتعاركون من أجل دمية فقم بإبعادها، وأخبر الأطفال أن بإمكانهم استعادتها عندما يكونون مستعدين للعب وليس للعراك.

يمكن لأطفالك أن يتعلموا الاتحاد معًا ويدركوا أن لكل فرد صفاته الفردية الخاصة، وأن الاختلاف بين الأشخاص مقبول، وسيتعلم أطفالك كذلك الاعتماد على أنفسهم في حل مشكلاتهم، وأهم ما يتعلمونه أنهم جميعًا محبوبون من آبائهم، وأن هذا الحب غير مشروط بتصرف الطفل بأسلوب معين.

المعاملة بالمثل:

كن حريصًا على معاملة المتعاركين من الكبار والصغار بنفس المعاملة، إن لم يحدث ذلك فسيكون من السهل على الطفلة الصغرى أن تعتقد أن السبيل إلى تميزها هنا هو أن تسبب مشكلات لأخيها الأكبر، وفي الحال سوف تقوم باستدراجه إلى مشاجرات بطرق لن تدركها، وإذا وجهت اللوم للأخ الأكبر كقولك له: (لابد أنك الأرجح عقلاً لأنك الأكبر) فمن السهل أن يعتقد أن (أنا لست مميزًا مثل أختي الصغرى، لكني أستطيع أن أكون كذلك)، وهذا يبين لنا كيف يتحول الأطفال إلى ضحايا وجناة.

ومن الآباء من يفترض أن الأخ الأكبر دائمًا على خطأ (أي مشاغب) ويحاول إنقاذ الأصغر (أي الضحية)، فغالبًا ما يبدأ الصغير المشاكسة (وهو ما لا تراه) حتى يدفعك إلى إنقاذه، لذا يجب أن تعامل الطفلين بالمثل، وعليك أن تذكر لهما أنك واثق بقدرتهما على حل الأمور، أو افصل بينهما.

وإذا ما تورطت طفلة صغيرة في العراك عليك أن تلتقط الطفلة أولاً، وتقول لها أمام الطفل الأكبر: (إنك في حاجة إلى أن تذهبي إلى حجرتك حتى تشعري أنك على استعداد للتوقف عن العراك)، بعد ذلك اصطحب الطفل الأكبر ممسكًا بيده، وكرر له نفس الكلام.

أعلم أخي المربي أنه من السخيف أن تضع طفلة بريئة في حجرتها بسبب العراك، لكن من الضروري أن تعامل الأطفال بنفس المعاملة، حتى لا يتحول أحدهم إلى ضحية والآخر إلى مشاغب.

الشجار الممتع:

في بعض الأحيان يعد عراك الأطفال طريقة للعب مع بعضهم البعض، لذا ينبغي أن تنظر إليهم على أنهم ثعالب صغيرة ماكرة.

وربما يريد الأطفال أن تجلس بهدوء بالقرب منهم بينما هم يتعاركون، وينبغي أن يكون لديك ثقة بأنهم يستطيعون أن يواجهوا هذه المشكلة، ويضعوا لها حلاًّ دون تدخلك، (يعد ذلك أمرًا قاسيًا بالنسبة للآباء؛ لأنه من الصعب عليهم ألا ينساقوا وراء شجار أطفالهم).

ولا يتحقق ذلك إلا أن يكون المربي مرشدًا وليس حكمًا، قدوة وليس ناقدًا، جزءًا من الحل وليس جزءًا من المشكلة.

خطوات عملية للسلام:

- اعقد مناقشة حول العراك خلال اجتماع الأسرة، وادع أطفالك للمشاركة بأفكارهم حول سبب تعارك الأطفال والبدائل عن ذلك.

- استخدام الإقناع والابتعاد عن الإكراه، فالمنطق والاحترام سيولد التقبل والارتياح من جانبهم، فيشعرون بالمشاركة في أمورهم مما يكسبهم شعورًا بوجودهم وقيمتهم.

- عندما تغطي أطفالك في أسرَّتهم ليلاً، وبعد أن تمنحهم فرصة الحديث عن أسعد وأتعس الأوقات في يومهم الذي انقضى اسأل كلاًّ منهم (هل هذا وقت جيد للحديث عما تم في عراكك مع أخيك، وهل لنا أن نحاول إيجاد بعض الحلول؟)، وبعد ذلك استمع لوجهة نظر طفلك، واسأله عما إذا كان يود أن تساعده في إيجاد حلول ممكنة.

- لا تقارن أبدًا بين الأطفال، فربما تعتقد أن ذلك يشجع ويحسن سلوكهم، فتقول: (أعرف أنك تستطيع أن تفعل ما تفعله أختك) إنك بذلك تزيد من حدة المنافسة.

المصادر:

- 25 طريقة لتصنع من ابنك رجلاً فذًّا، أكرم عثمان.

- التهذيب الإيجابي، نيلس ـ لوت ـ جلين.

- اللمسة الإنسانية، د. محمد محمد بدري.

JoomShaper