عمر السبع
ما هو انطباعك إذا ما صادفت هذا السؤال مكتوبًا على ملصق أو باغتك أحد بسؤاله، هل تعرف ابنك؟ ما الذي يفكر فيه؟ ما الذي يشعر به؟ ما الذي يريده طفلك من الحياة؟ ما قيمه وآماله وأحلامه؟ ليس آمالك وأحلامك أنت وما تتطلع أن تراه في ابنك في المستقبل، وإنما آماله وأحلامه هو وما يريد أن يكون عليه هو، هل دخلت يومًا ما إلى عالم طفلك، وحاولت فهم واحترام رؤيته؟ هل أنت محب للتعرف على طفلك، أم أنك مشغول جدًّا وتحاول إرغام طفلك على الانصياع لقيمك وآمالك وأحلامك الخاصة؟
هذا ما يفسر سبب عدم رضاك عن تصرفات ابنك مهما كثرت نصيحتك له، فأنت تراه من منظورك وليس من منظوره، ولم تنتبه إلى أن له شخصية مستقلة فريده، له تفكيره البسيط، ورغباته الطفولية، وربما لو نظرت لحظة من خلال عقله الطفولي لتغيرتك نظرتك له.
فكر بعقله:
حين لا نستطيع فهم الآخر فنحن نكرهه، وأحيانًا نكره أنفسنا لنفس السبب!
والدليل على ذلك أننا قد نجد أطفالًا يتعرضون لنقد ولوم جارح من والديهم اعتقادًا منهم بأن هؤلاء الأطفال يتعمدون مخالفة أوامرهم، وهذا الأمر في كثير من الأحيان يكون غير صحيح، وإنما يكون السبب الحقيقي هو سوء الفهم.
إن من أهم الأسس التي يجب مراعاتها في خطابنا لأبنائنا، أن نخاطبهم على قدر فهمهم، فلابد أن نراعي الفروق بيننا وبين أبنائنا، كما نراعي الفروق الفردية بين ابن وآخر، فالطفل الصغير يختلف فهمه عن طالب المرحلة الإعدادية، وطالب الثانوية يختلف فهمه عن الرجل الكبير، فلكل مرحلة خصائصها وصفاتها، ومن الصعوبة بمكان أن يكون خطاب الجميع واحد.
وحين نفشل في إقناع أبنائنا بما نريد، فإن ذلك لا يرجع إلى كونهم حمقى يرفضون الإنصات لصوت العقل والخبرة، وإنما يرجع إلى (أن هناك مسافة بين عقولنا وعقول أبنائنا، والواجب علينا أن نحسن اختيار وسيلة المواصلات المناسبة لاجتياز هذه المسافة، وطرق أبواب عقولهم بلياقة تناسب صاحب الدار، وأما منطق تهشيم الباب، فإنه لن يعطينا القوة بالدخول، بل إنه يحرمنا حتى إذا دخلنا أن نستطيع إحداث التحويل الإدراكي المطلوب في عقول الأبناء) [صناعة النجاح، د.طارق السويدان، أ.فيصل باشراحيل، ص(164) بتصرف يسير].
العالم المتغير:
(إن كل إنسان يدرك العالم من حوله بطريقته الخاصة فيضع له خارطة في ذهنه، ويرسم له حدودًا تختلف عن الحدود التي يرسمها غيره، والعالم في أذهاننا هو غير العالم الذي نعيش فيه، لأن الذي في أذهاننا عالم محدود، مبستر، ولكننا مقتنعون تمامًا بأن العالم هو ما نراه ونسمعه ونحس به، وليس شيئا آخر) [آفاق بلا حدود، محمد التكريتي، ص(14)].
وكذلك هم أبناؤنا لا يرون الحقائق القائمة حولهم على ما هي عليه، أو بعيونهم المجردة، وإنما يرونها عبر نظارات وأغشية من فهمهم واهتماماتهم، ولذلك فإن بداية التفاهم معهم هو التعرف على هذه الاهتمامات، والتفحص الدقيق لتلك المفاهيم.
ففي بعض الأحيان، يبدو تصرف طفل ما على أنه خطأ كبير في حين أنه قد يكون محاولة من الطفل لتقديم مساعدة لوالديه.
خذ مثلًا:
وجدت الأم طفلتها الصغيرة (أربع سنوات) تقطر ملابسها جميعا ماء، والماء مسكوب على الأرض قد بلل أنحاء المكان، فزمجرت الأم وصاحت بها: كم مرة أمرتك بالابتعاد عن الماء، ثم انطلقت وعاقبتها على تصرفها.
لكنها عرفت بعد ذلك أن ما كانت تريده الطفلة هو ملء دلو من الماء وتنظيف باب المنزل كما رأت أمها تفعل ذلك، فوقعت وانسكب الماء ونزل بها العقاب، لاشك أنه بدا للطفلة أنها عوقبت جزاء لها على محاولتها تقديم العون وبذل المساعدة.
صورة أخرى:
ربما حاول الطفل مصاحبة والده إلى المسجد، وربما أحدث في المسجد من الحركة والضوضاء ما يزعج المصلين مما يدفع الوالد أحيانًا إلى تبكيت الطفل وتعنيفه، ويحضرني هنا ذلك الموقف التربوي الرائع لرسولنا صلى الله عليه وسلم الذي يرويه عبد الله بن شداد عن أبيه رضي الله عنهما، قال: (خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في إحدى صلاتي العشاء وهو حامل حسنًا أو حسينًا، فتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضعه ثم كبر للصلاة، فصلى فسجد بين ظهراني سجدة أطالها، قال أبي: فرفعت رأسي وإذا الصبي على ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ساجد فرجعت إلى سجودي.
فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة قال الناس: يا رسول الله إنك سجدت بين ظهراني صلاتك سجدة أطلتها حتى ظننا أنه قد حدث أمر أو أنه يوحى إليك، قال: كل ذلك لم يكن، ولكن ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته) [رواه النسائي، وصححه الألباني].
إننا قد نرى أن الوقت والمكان ليسا مناسبين لتصرف الطفل، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم لا يرى خطأ في ذلك، لأنه صلى الله عليه وسلم نظر من منظور هذا الطفل الصغير وعلم رغبته في اللعب مع جده، ومن ثم لم يزجره، وإنما على العكس من ذلك تغاضى عن استمتاعه بلهوه الطفولي في هذه الشعيرة العظيمة الصلاة.
تعرف على حاجته:
أخي المربي: إذا أردت الحصول على أفضل ما عند ابنك، فعليك أن تتعرف إلى حاجاته الملحة، فإذا كانت طريقتك مناسبة لحاجته فإنه يستجيب لكل ما تطلبه، ولكي تكون طريقتك مناسبة لحاجتة، لابد أن تنظر إلى الأشياء بمنظاره، وتفكر بعقله، وتبحث عما يريد هو، وليس ما تريد أنت.
حاول اكتشاف ما يريده ابنك، ساعده في الوصول إليه، فيشعر بالسعادة والامتنان، ومن ثم يحب أن يطيعك ويقبل أمرك، واعلم أن النظرة الجادة إلى تفرد الابن هي من أكبر المحفزات للآباء والمربين على الإبداع في عملية التربية، وإننا كآباء حين ننظر بمنظار الأبناء إلى ما يواجهنا من مشكلات، نحاول تلبية احتياجاتهم ورغباتهم، وهذا بدوره يدفعنا إلى ابتكار أفكار جديدة لتلبية هذه الحاجات.
إن ما نراه وفق رؤيتنا، ربما يختلف عن رؤية أبنائنا، والصورة التي نمتلكها في أذهاننا عن العالم هي في الغالب ليست نفس الصورة التي تدور بخلدهم، ولابد أن نعلم أن كل مرحلة من مراحل عمر أبنائنا لها معطياتها واحتياجاتها من الفهم والإدراك، والقدرة على التعامل مع الحياة.
إننا لن نعرف أبنائنا حتى نضع أنفسنا مكانهم، ونفكر بعقولهم، وكما يقول المثل الصيني: (لن تفهم الذي أمامك حتى تمشي في حذائه ألف خطوة) [صناعة النجاح، د.طارق السويدان، أ.فيصل باشراحيل، ص(47)].
خطوات على الطريق:
- دع ابنك يعيش حياته وعقله وطاقته، لا حياتك أنت، مع متابعته حتى لا يقع في انحراف أو خطر، عندها يكون دورك كأب أو أم هو الحب والتوجيه مع إعطاء مهارات الحياة.
- تعلم أن ترى الأمور بمنظار أبنائك، وفكر بصدق فيما يريدون، لا ما تريد أنت، واذكر دائما تلك النصيحة التربوية "فكر بعقله".
المصادر:
- اللمسة الإنسانية، د.محمد محمد بدري.
- التهذيب الإيجابي، نيلسن ـ لوت ـ جلين.
- صناعة النجاح، د.طارق السويدان ـ أ.فيصل باشراحيل.
- آفاق بلا حدود، محمد التكريتي.
هل تعرف ابنك؟
- التفاصيل