المحرر التربوي
معركتنا الكبرى المستمرة التي لا تتوقف هي معركة النفوس ولان النفوس متقلبة الأحوال متغيرة الأطوار فان على المربين والدعاة والمصلحين أن يفهموها ويتعاملوا معها بوسطية الأخلاق وإنصاف التقييمات والتماس الأعذار وإعمال المقاصد في التربية والحفاظ على النفوس ،لان التغيير لا يأتي إلا من النفوس .
ولان الانتماء لمحاضن التربية انتماء عقدي مصيري الأصل فيه التجرد والوعي السديد والفهم السليم مع ترك الهوى واستبعاد حظوظ النفوس إلا أن الواقع يحكي أن ما يعاينه المربون ويعالجه المصلحون ويداويه أطباء النفوس يحتاج إلى حكمة وخبرة وتجربة وتدريب لان سياسة النفوس صعبة وترويضها أصعب فإن الفكرة والمبدأ هو نفسه في وقت الانتماء الصادق الشخص والذات ، وهنا يقول الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله : (إن الإخلاص أساس النجاح وإن الله بيده الأمر كله . , وان أسلافكم الكرام لم ينتصروا إلا بقوة إيمانهم وطهارة أرواحهم وإزكاء نفوسهم وإخلاص قلوبهم وعملهم عن عقيدة واقتناع.. جعلوا كل شئ وقفاً عليها حتى اختلطت نفوسهم بعقيدتهم ,وعقيدتهم بنفوسهم !! فكانوا هم الفكرة وكانت الفكرة إياهم . فإن كنتم كذلك ففكروا والله يلهمكم الرشد والسداد واعملوا , والله يؤيدكم بالمقدرة والنجاح . وإن كان فيكم مريض القلب . معلول الغاية . مستور المطامع مجروح الماضى.!! فأخرجوه من بينكم , فإنة حاجز للرحمة حائل دون التوفيق )

ويقول المفكر الشهيد سيد قطب رحمه الله )  لا حياة لفكرة لم تتقمص روح إنسان ، ولم تصبح كائنا حيا دب على وجه الأرض في صورة بشر !..

إن التفريق بين الفكرة والشخص ، كالتفريق بين الروح والجسد أو المعنى واللفظ ، عملية – في بعض الأحيان – مستحيلة ، وفي بعض الأحيان تحمل معنى التحلل والفناء ! ).

ومن هنا فان التعامل مع الأفراد يحتاج إلى الرفق والحكمة والقسوة أحيانا بشروط ومقاصد

يقول الشاعر

فقَسا ليزدجروا، ومن يكُ حازماً *** فَلْيَقْسُ أحياناً على من يرحم

كم حصل لعمر بن الخطاب رضي الله عنه حين أتى النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب أصابه من بعض أهل الكتب فقرأه فغضب النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " أمتهوكون فيها يا بن الخطاب والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به أو بباطل فتصدقوا به والذي نفسي بيده لو أن موسى صلى الله عليه وسلم كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني"

حديث صحيح رواه أحمد (3/387) عن جابر بن عبد الله، وحسنه الألباني في الإرواء (1589).

وكما حصل لأبي بن كعب رضي الله عنه حين تخلف عن غزوة تبوك ( .....فجئته فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب ثم قال تعال فجئت أمشي حتى جلست بين يديه فقال لي ما خلفك ألم تكن قد ابتعت ظهرك فقلت بلى إني والله يا رسول الله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر ولقد أعطيت جدلا ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك علي ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه إني لأرجو فيه عفو الله لا والله ما كان لي من عذر والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك فقال رسول الله أما هذا فقد صدق فقم حتى يقضي الله فيك فقمت ......)

وحكمة رائعة يسطرها داعية يمني حين قال له أحد أفراد الدعوة إن قياداتنا لا تشدد علينا فقال له الداعية الحكيم : ( إن الذي يكون في الطرف لا يشد عليه فيخرج كما أن الجدار الآيل للسقوط لا يعتمد عليه فانظر نفسك )

وهنا أقول :

إن التعامل مع الأفراد يحتاج في مرحلة إلى الحزم والتشديد وفي مرحلة أخرى إلى التهاون والمداراة وكل ذلك لإبقاء القلوب متحابة والجهود مجتمعة والصفوف متراصة لنطرد الهوى ونبعد الفتن ونجعل الصف ربانيا مرحوما ، ولله در الراشد حين قال في عوائقه :

(فإن تشدد القادة، وأقصوا عن المسؤولية عن الجماعة من لان أو انحرف أو خالف: فبالحزم أخذوا، ليس في ذلك ضير.

وإن تساهلوا، وعفوا وتجاوزوا، فبسد الذريعة وقواعد لم الشمل أخذوا، ليس في ذلك ضير آخر.

كل ذلك صواب في أعراف سياسة الجماعات، تؤيد الظروف النسبية المختلفة هذا المسلك أو ذاك، ما لم يكن ثمة هوى.

ورحمة الله على من تجرد وغلب هواه، قائدًا أو جنديًا).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

JoomShaper