عمر السبع
إن هذه الكلمات تشمل أهم أنواع التربية التي يحتاجها المربي أثناء تربيته لأولاده وتفتح له آفاق جديدة تدعوه لسبر أغوار هذه الأنواع حتى يصل إلى أفضل المستويات في تطبيقها ويحترفها، وصولًا إلى أقصى مستويات النضج والفهم للعملية التربوية وأدواتها، وهذه الأنواع هي:
أولًا: التربية بالملاحظة
ماذا نقصد بالتربية بالملاحظة؟
نقصد بها أن يكون المربي على دراية بأحوال أبنائه وتطوراتهم، وأن يتابع بدقة تكوينهم الأخلاقي، ويعمل على إعدادهم نفسيًا واجتماعيًا ليس من خلال التوجيهات فحسب بل من خلال الملازمة والملاحظة، يقول الأستاذ عبد الله ناصح علوان: (والمقصود بالتربية بالملاحظة ملاحقة الولد وملازمته في التكوين العقيدي والأخلاقي، ومراقبته وملاحظته في الإعداد النفسي والاجتماعي، والسؤال المستمر عن وضعه وحاله في تربيته الجسمية وتحصيله العلمي"، وهذا يعني أن الملاحظة لا بد أن تكون شاملة لجميع جوانب الشخصية) [تربية الأولاد في الإسلام، عبد الله ناصح علوان،(2/619)].
ولكن ننبه أن كثيرًا من الآباء والأمهات يقعن في خطأ كبير، ينتج عن عدم المفهم الدقيق لمفهوم التربية بالملاحظة؛ فنجد أن الملاحظة بدأت تتحول إلى نوع من التجسس والتفتيش الدائم، والمحاسبة على كل كلمة وفعل ولو كان صغيرًا.
إن خطأ هذا النوع من المعاملة، أن الابن يبدأ تدريجيًا في فقد الثقة في المربي، فضلًا عن نظرته لذاته وأنه محل اتهام دائم وغير موثوق فيه، وكثير من الأبناء في هذه الحالة يلجؤون إلى ملجأ آخر بحثًا عن الثقة والاطمئان، وغالبًا ما يكون في أحضان الأصدقاء.
إن أبناءنا خاصة من هم في مرحلة المراهقة، يحبون الشعور بالثقة وتحمل المسئولية، كما يحبون أن يعتمد آباؤهم عليهم، إنهم ينجذبون إلى كلمات الثناء والتشجيع، ويحاولون أن يضعوا أنفسهم في أماكن المسئولية دائمًا.
ينبغي أن نعي ذلك جيدًا فلا نخلط بين التربية بالملاحظة وبين التجسس والتفتيش وإشعار الابن أنه ليس محل ثقة.
كما لا ينبغي أن تقودنا التربية بالملاحظة إلى دوام مرافقة الابن في كل مكان وفي أي توقيت؛ إذ أن المراهق ـ كما بينا ـ يحب الشعور بالثقة والاعتماد عليه.
وعند التربية بالملاحظة يجد المربي الأخطاء والتقصير وعندها لابد من المداراة التي تحقق المطلوب دون إثارة أو إساءة إلى الطفل، والمداراة هي الرفق في التعليم وفي الأمر والنهي [التوجيه غير المباشر، عبد الله بن حميد، ص(23)].
وأحيانًا يكون التجاهل وعدم الالتفات إلى السلوك أو الفعل الذي يقصد الابن به إثارة المربي أو استفزازه، هو الحل الأمثل، وخاصة حبنما يكون عمر الطفل لم يتجاوز الثالثة، لأن التركيز على سلوك معين معه وإشعاره بأهميته قد يؤدي إلى نتيجة عكسية فبدلًا من تركه نراه يتشبث به أكثر.
ثانيًا: التربية بالعادة
وهنا نجد النبي صلى الله عليه وسلم يؤصل لنا هذا النوع من التربية، حيث أمر بتعويد الطفل على الصلاة منذ السابعة حتى العاشرة، ولاشك أن تكرار الفعل لثلاث سنوات كفيل بغرسه في النفس، وهذا ليس أمرًا خاصًا بالصلاة فقط بل يدخل في ذلك الآداب وخصال الخير وغيرها من الأمور التي نريد أن نعود أبناءنا عليها، فنلتزم معهم بهذا النوع من التربية: (التربية بالعادة).
كيف نربي بالعادة؟
تكوين العادة لدى الأطفال يبدأ في سن مبكر، فنجد أن الطفل في الشهر السادس من عمره يسعد بتكرار الأعمال التي تبهجه، وهذا التكرار يكون العادة، ويستمر هذا التكوين حتى السابعة من عمره.
وأمثلة ذلك:
في الأيام الأولى من حياة الطفل يشعر أنه محمول فيسكت، فإذا شعر بذلك دائمًا صارت عادة بالنسبة له، وكذلك إذا كانت الأم تسرع إلى حمله كلما بكى.
(ولتحذر الأم كذلك من إيقاظ الرضيع ليرضع لأنها بذلك تنغص عليه نومه وتعوده على طلب الطعام في الليل والاستيقاظ له وإن لم يكن الجوع شديدًا، وقد تستمر هذه العادة حتى سن متأخرة، فيصعب عليه تركها، ويخطئ بعض المربين إذ تعجبهم بعض الكلمات المحرمة على لسان الطفل فيضحكون منها، وقد تكون كلمة نابية، وقد يفرحون بسلوك غير حميد لكونه يحصل من الطفل الصغير وهذا الإعجاب يكوّن العادة من حيث لا يشعرون) [كيف تربي ولدك؟ ليلى عبد الرحمن].
وترجع أهمية التربية بالعادة إلى أن حسن الخلق بمعناه الواسع يتحقق من وجهين، (الأول): الطبع والفطرة، (والثاني): التعود والمجاهدة، ولما كان الإنسان مجبولًا على الدين والخلق الفاضل كان تعويده عليه يرسخه ويزيده [إحياء علوم الدين، الغزالي،(3/58- 59)].
ولكي نعود الطفل على العبادات والعادات الحسنة يجب أن نبذل الجهود المختلفة ليتم تكرار الأعمال والمواظبة عليها بالترغيب والترهيب والقدوة والمتابعة وغيرها من الوسائل التربوية [منهج التربية الإسلامية، محمد قطب، ص(381)].
ثالثًا: التربية بالإشارة:
وهذا النوع من التربية يستخدم في بعض المواقف، منها:
خطأ الطفل أمام بعض الضيوف، أو في حضور جمع من الناس.
عندما يقع الطفل في خطأ، وتكون المرة الأولى الذي يقع فيه.
ففي هذه الحالات تكون الإشارة باليد أو النظرة كافية؛ والسبب في ذلك أن الطفل يرى الجميع ينظرون إليه فمع إسقاط عقوبة مباشرة عليه، قد يؤدي به إلى العناد، وقد يكون الطفل مرهف الإحساس فيؤثر فيه التوبيخ أمام الناس فتكفيه الإِشارة.
(ويدخل ضمنه التعريض بالكلام فيقال: إن طفلًا صنع كذا وكذا وعمله عمل ذميم، ولو كرر ذلك لعاقبته، وهذا الأسلوب يحفظ كرامة الطفل ويؤدب بقية أهل البيت ممن يفعل الفعل نفسه دون علم المربي) [من أساليب الرسول في التربية، نجيب العامر، ص 30].
رابعًا: التربية بالموعظة وهدي السلف فيها:
وتقوم الموعظة بالأساس على أمرين: الأمر الأول، فالغرض منه بيان الحق، والأمر الثاني، فالغرض منه إثارة الوجدان، فيدفع الابن إلى تصحيح خطئه الذي وقع فيه، ويحثه على عدم العودة إليه مرة أخرى... وكذلك تدفعه إثارة الوجدان إلى القيام بالعمل المرغوب فيه والمواظبة عليه.
من أنواع الموعظة:
(1- الموعظة بالقصة، وكلما كان القاص ذا أسلوب متميز جذاب استطاع شد انتباه الطفل والتأثير فيه، وهو أكثر الأساليب نجاحا [أساليب التربية الإسلامية، عبد الوهاب البابطين، ص 48].
2- الموعظة بالحوار تشد الانتباه وتدفع الملل إذا كان العرض حيويًا وتتيح للمربي أن يعرف الشبهات التي تقع في نفس الطفل فيعالجها بالحكمة.
3- الموعظة بضرب المثل الذي يقرب المعنى ويعين على الفهم.
4- الموعظة بالحدث فكلما حدث شيء معين وجب على المربي أن يستغله تربويًا، كالتعليق على مشاهد الدمار الناتج عن الحروب والمجاعات ليذكر الطفل بنعم الله، ويؤثر هذا في النفس لأنه في لحظة انفعال ورقَّة فيكون لهذا التوجيه أثره البعيد.
وهدي السلف في الموعظة: الإخلاص والمتابعة، فإن لم يكن المربي عاملًا بموعظته أو غير مخلص فيها فلن تفتح له القلوب [تربية الأولاد في الإسلام، عبد الله ناصح علوان، 2/686] ومن هديهم مخاطبة الطفل على قدر عقله والتلطف في مخاطبته ليكون أدعى للقبول والرسوخ في نفسه [منهج التربية الإسلامية، محمد نور سويد، ص(335- 336)] كما أنه يحسن اختيار الوقت المناسب فيراعي حالة الطفل النفسية ووقت انشراح صدره وانفراده عن الناس، وله أن يستغل وقت مرض الطفل لأنه في تلك الحال يجمع بين رقة القلب وصفاء الفطرة [منهج التربية الإسلامية، محمد قطب، ص(187)] وأما وعظه وقت لعبه أو أمام الأباعد فلا يحقق الفائدة) [كيف تربي ولدك؟ ليلى عبد الرحمن].
تنبيه هام!
ينبغي على المربي الحاذق ألا يكثر من الوعظ حتى لا تستثقله النفس، فإن النفوس تكل، وإنما يتخول المتربي بالموعظة حينًا بعد حين، كما أن تأثير الموعظة مؤقت فيحتاج إلى تكرارها حينًا بعد حين.
في الختام..
هذه هي خلاصة لأهم أنواع التربية، وعلى كل مربي حريص على من يربيه وتنشئته تنشئه صحيحة، أن يواصل البحث ويسبر أغوار هذه الأنواع حتى يصل إلى أرقى المستويات في إتقانها وتنفيذها؛ وكلما بذلنا مجهودًا أكبر في التعلم كلما كان تأثيرنا في عملية التربية أوفر وأفضل، فلا نبخل على أنفسنا وأولادنا بمزيد علم ينفعنا وينفعهم.
المصادر:
·       كيف تربي ولدك؟ ليلى عبد الرحمن.
·       منهج التربية الإسلامية، محمد قطب.
·       منهج التربية الإسلامية، محمد نور سويد.
·       تربية الأولاد في الإسلام، عبد الله ناصح علوان.
·       إحياء علوم الدين، الغزالي.

JoomShaper