سيف الخروصي
أكد الدكتور خليفة بن يحيى الجابري واعظ ولاية سمائل أن وقوع العبد في آثار الشهوة من الذنوب من أسباب التوبة والندم والانكسار والذل لله تعالى.
وقال: إن الإنسان إذا أدرك شيئاً من لذات الدنيا قاس عليه من باب أولى اللذة التامة في الآخرة فيعظم طلبه لها.
وأشار إلى أن الله تعالى قد قدّم أشد الشهوات وأقوى الفتن وهي النساء، فإن فتنتهن أعظم فتن الدنيا.
وأوضح ان من الشهوات أعراض قلبية مرتكزة في النفس البشرية كالعجب والخيلاء، والقهر والاستعلاء، والغضب، وحب الثناء والمدح، وحب الميل إلى النوم، والخلود إلى الراحة.
وبين أن من عواقب الشهوة أنها تفسد الطبع وتقتل النفوس حتى تلحق الإنسان بالحيوان الذي تسيره الشهوة وتحكم سلوكه.
وقال: لقد ذكر أهل العلم أن أهل الشهوات متفاوتون بحسب تفاوت الحيوانات التي هم على أخلاقها وطباعها. واكد ان من عواقب اتباع الشهوة مرض القلب وهو نوعان مرض شبهة وشك ومرض شهوة وغي وكلاهما في القرآن.
وقال: الإنسان منا إذا غلب صبره باعث الهوى والشهوة التحق بالملائكة وإن غلب باعث الهوى والشهوة صبره التحق بالشياطين وإن غلب باعث طبعه من الأكل والشرب والجماع صبره التحق بالبهائم.
وبين أن الصبر عن الشهوة أسهل من الصبر على ما توجبه الشهوة.
واكد أن الكريم لا يقابل بالإساءة إلى من أحسن إليه وإنما يفعل هذا لئام الناس.
وقال: ليعلم العبد أن نساء الدنيا مهما بلغن من جمال الصورة فإنهن عرضة للأذى والقذر.
جاء ذلك في إحدى محاضراته التي القاها في سمائل مؤخرا والى نص ما ما قاله في محاضرته:
من عجيب خلق الله تعالى أنه خلق الخلق من حيث وجود الشهوة على ثلاثة أصناف: قال قتادة: خلق الله سبحانه الملائكة عقولا بلا شهوات، وخلق البهائم شهوات بلا عقول، وخلق الإنسان وجعل له عقلا وشهوة، فمن غلب عقله شهوته فهو مع الملائكة، ومن غلبت شهوته عقله فهو كالبهائم، والفائدة من هذا الكلام في تركيب الشهوة: أنه لا بد من وقوع آثارها:
الحكمة من تركيب الشهوة في الإنسان: ذكر أهل العلم عدة حكم لتركيب الشهوة في الإنسان، منها:
التكاثر والحفاظ على النسل والابتلاء والامتحان.
ولهذا سئل عمر بن الخطاب: أيهما أفضل؟ رجل لم تخطر له الشهوات ولم تمر بباله، أو رجل نازعته إليها نفسه فتركها لله؟
فكتب عمر: إن الذي تشتهي نفسه المعاصي ويتركها لله عز وجل من الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم» والإقبال على الله والانكسار بين يديه.
فإن وقوع العبد في آثار الشهوة من الذنوب من أسباب التوبة والندم والانكسار والذل لله تعالى.
وهذا معنى قول بعض أهل العلم: إن العبد ليعمل الذنب يدخل به الجنة ويعمل الحسنة يدخل بها النار قالوا: كيف؟ قال:يعمل الذنب فلا يزال نصب عينيه منه مشفقا وجلا باكيا نادما مستحيا من ربه تعالى ناكس الرأس بين يديه منكسر القلب له فيكون ذلك الذنب أنفع له من طاعات كثيرة بما ترتب عليه من هذه الأمور التي بها سعادة العبد وفلاحه حتى يكون ذلك الذنب سبب دخوله الجنة، ويفعل الحسنة فلا يزال يمنُّ بها على ربه ويتكبر بها ويرى نفسه ويعجب بها ويستطيل بها ويقول: فعلت وفعلت فيورثه من العجب والكبر والفخر والاستطالة ما يكون سبب هلاكه.
والتشويق إلى ثواب الآخرة، والرغبة فيه لأنه أكمل من شهوات الدنيا.
فإن الإنسان إذا أدرك شيئاً من لذات الدنيا قاس عليه من باب أولى اللذة التامة في الآخرة فيعظم طلبه لها.
ومن أنواع الشهوة:
تطلق الشهوة على المصدر أي الفعل، كما تطلق على الأمر المشتهَى وهو المفعول.
وقد ذكر الله لنا أنواعاً من الشهوات التي جبلت النفوس على محبتها، وهي:
قال تعالى: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ) ففي الآية ذكر أنواع من الشهوات، وهي: النساء، والبنين، والأموال، والحيوان، والحرث.
وقد قدّم الله أشد الشهوات وأقوى الفتن وهي النساء، فإن فتنتهن أعظم فتن الدنيا. ثم ذكر البنين المتولدين من النساء. ثم ذكر شهوة الأموال لأنها تقصد لغيرها، فشهوتها شهوة الوسائل وقدم أشرف أنواعها وهو الذهب ثم الفضة بعده، ثم ذكر الشهوة المتعلقة بالحيوان الذي لا يعاشر عشرة النساء والأولاد فالشهوة المتعلقة به دون الشهوة المتعلقة بهم، وقدم أشرف هذه الأنواع وهي الخيل فقدمها على الأنعام التي هي الإبل والبقر والغنم. ثم ذكر الأنعام وقدمها على الحرث لأن الجمال بها والانتفاع أظهر وأكثر من الحرث.
ومن الشهوات أعراض قلبية مرتكزة في النفس البشرية كالعجب والخيلاء، والقهر والاستعلاء، والغضب، وحب الثناء  والمدح، وحب الميل إلى النوم، والخلود إلى الراحة.
وهذه الأعراض مما لا يكاد يسلم منه إلا من عصم الله فمقل ومكثر، ومنها: حب الرئاسة فإنه الشهوة الخفية، كما قال شداد بن أوس رضي الله عنه: يا بغايا العرب يا بغايا العرب إن أخوف ما أخاف عليكم الرياء والشهوة الخفية.
إن من عواقب الشهوة أنها تفسد الطبع وتقتل النفوس حتى تلحق الإنسان بالحيوان الذي تسيره الشهوة وتحكم سلوكه.
وقد ذكر أهل العلم أن أهل الشهوات متفاوتون بحسب تفاوت الحيوانات التي هم على أخلاقها وطباعها، فمنهم من نفسه كلبية لو صادف جيفة تشبع ألف كلب لوقع عليها وحماها من سائر الكلاب ونبح كل كلب يدنو منها، همه شبع بطنه من أي طعام اتفق ميتة أو مذكَّى خبيث أو طيب، ولا يستحي من قبيح.
ومنهم من نفسه حمارية لم تخلق إلا للكد والعلف كلما زيد في علفه زيد في كده أبكم الحيوان وأقله بصيرة.
ومنهم من نفسه سبعية غضبية همته العدوان على الناس وقهرهم بما وصلت إليه قدرته.
ومنهم من نفسه فأرية فاسق بطبعه مفسد لما جاوره، ومنهم من نفسه على نفوس ذوات السموم والحُمَّات كالحية والعقرب وغيرهما وهذا الضرب هو الذي يؤذي بعينه فيُدخل الرجل القبر والجمل القدر، ًٍومن الناس من طبعه طبع خنزير يمر بالطيبات فلا يلوي عليها فإذا قام الإنسان عن رجيعه قمَّه، وهكذا كثير من الناس يسمع منك ويرى من المحاسن أضعاف أضعاف المساوىء فلا يحفظها ولا ينقلها ولا تناسبه فإذا رأى سقطة أو كلمة عوراء وجد بغيته وما يناسبها فجعلها فاكهته وشغله الشاغل.
ومنهم من هو على طبيعة الطاووس ليس له إلا التطوس والتزين بالريش، ومنهم من هو على طبيعة الجمل أحقد الحيوان وأغلظه كبدا، ومنهم من هو على طبيعة الدب أبكم خبيث وعلى طبيعة القرد.
وأحمد طبائع الحيوانات طبائع الخيل التي هي أشرف الحيوانات نفوسا وأكرمها طبعا وكذلك الغنم.
عواقب اتباع الشهوة
من عواقب اتباع الشهوة مرض القلب وهو نوعان مرض شبهة وشك، ومرض شهوة وغي، وكلاهما في القرآن قال تعالى في مرض الشبهة (في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا).
وأما مرض الشهوات فقال تعالى (يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض) والأسير هو أسير شهوته وهواه، ومتى أسرت الشهوة والهوى القلب تمكن منه عدوه وسامه سوء العذاب وصار كعصفور في كف طفل يسومها حياض الردى والطفل يلهو ويلعب.
الضلال عن الحق
والضلال عن الحق بسبب سكر الشهوة قال تعالى في قوم لوط (لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون).
وهذا السكر أشد من سكر الخمر، فإن سكر الخمر يكون يوما أو قريبا من يوم، وأما سكر الشهوة والمحبة الفاسدة فقوي دائم، وقد يصل إلى الجنون.
قالت جننت على رأسي
فقلت لها العشق أعظم مما بالمجانين
العشق ليس يفيق الدهر صاحبه
وإنما يصرع المجنون في الحين
الغفلة عن ذكر الله
والغفلة عن ذكر الله والصلاة: لأن العبد إذا قهر شهوته وهواه قوي قلبه على الصلاة والخشوع فيها، وهذا بخلاف من قهرته الشهوة وأسره الهوى ووجد الشيطان فيه مقعدا فإنه لا يمكن أن يتخلص من الوساوس والأفكار.
والشقاء والحسرة في الدنيا: فيا حسرة المحب الذي باع نفسه لغير الحبيب الأول بثمن بخس وشهوة عاجلة ذهبت لذتها وبقيت تبعتها.
وما في الأرض أشقى من محب... وإن وجد الهوى حلو المذاق
تراه باكيا في كل حين ......... مخافة فرقة أو لاشتياق
فيبكي إن نأوا شوقا إليهم...... ويبكي إن دنوا حذر الفراق
والعقوبة عند الموت: فشهوات الدنيا فى القلب كشهوات الأطعمة في المعدة، وسيجد العبد عند الموت لشهوات الدنيا في قلبه من الكراهة والنتن والقبح ما يجده للأطعمة اللذيذة إذا انتهت إلى غايتها.
والعقوبة في البرزخ: ففي حديث سمرة بن جندب الذي في صحيح البخاري أن النبي قال رأيت الليلة رجلين أتياني فأخرجاني فانطلقت معهما فإذا بيت مبني على مثل بناء التنور أعلاه ضيق وأسفله واسع يوقد تحته نار فيه رجال ونساء عراة فإذا أوقدت النار ارتفعوا حتى يكادوا أن يخرجوا فإذا أخمدت رجعوا فيها فقلت من هؤلاء؟ قال: هم الزناة.
فالجزاء من جنس العمل، فهؤلاء كانوا في الدنيا كلما هموا بالتوبة والإقلاع والخروج من تنور الشهوة إلى فضاء التوبة عادوا إليه فكان هذا عذابهم في تنور الآخرة.
والعذاب في النار: ففي الحديث (حفت النار بالشهوات، وحفت الجنة بالمكاره)، يقال لهم لقد ذهبت اللذات وأعقبت الحسرات، تمتعوا قليلا وتعذبوا طويلا، أسكرتهم خمرة تلك الشهوات فما استفاقوا منها إلا في ديار المعذبين، فلو رأيتهم والنار تخرج من منافذ وجوههم وأبدانهم وهم بين أطباق الجحيم وهم يشربون بدل لذيذ الشراب كؤوس الحميم ويقال لهم وهم على وجوههم يسحبون ذوقوا ما كنتم تكسبون اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم إنما تجزون ما كنتم تعملون.
ثمرات الانتصار على الشهوة
للانتصار على الشهوة عدة ثمرات في الدنيا والآخرة، منها: سلامة القلب: وقد اختلفت عبارات الناس في معنى القلب السليم والأمر الجامع لذلك أنه الذي قد سلم من كل شهوة تخالف أمر الله ونهيه ومن كل شبهة تعارض خبره وعلو النفس والالتحاق بالملأ الأعلى:
فالإنسان منا إذا غلب صبره باعث الهوى والشهوة التحق بالملائكة وإن غلب باعث الهوى والشهوة صبره التحق بالشياطين وإن غلب باعث طبعه من الأكل والشرب والجماع صبره التحق بالبهائم.
والنجاة من عذاب الله: وإذا تأملت السبعة الذين يظلهم الله عز وجل في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله وجدتهم إنما نالوا ذلك الظل بمخالفة الهوى فإن الإمام المسلط القادر لا يتمكن من العدل إلا بمخالفة هواه، والشاب المؤثر عبادة الله على داعي شبابه لولا مخالفة هواه لم يقدر على ذلك، والرجل الذي قلبه معلق بالمساجد إنما حمله على ذلك مخالفة الهوى الداعي له إلى أماكن اللذات، والمتصدق المخفي لصدقته عن شماله لولا قهره لهواه لم يقدر على ذلك، والذي دعته المرأة الجميلة الشريفة فخاف الله عز وجل وخالف هواه، والذي ذكر الله عز وجل خاليا ففاضت عيناه من خشيته إنما أوصله إلى ذلك مخالفة هواه فلم يكن لحر الموقف وعرقه وشدته سبيل عليهم يوم القيامة.
(وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى)
وسائل مدافعة الشهوة
ومن وسائل مدافعة الشهوة حسم مادة الشهوة وتضييق مجاريها: مثاله (قطع العلف عن الدابة الجموح وعن الكلب الضاري لإضعاف قوتهما).
وبنوع وكمية الغذاء:أن ينظر إلى مادة قوة الشهوة فيحدها من الأغذية المحركة للشهوة إما بنوعها أو بكميتها وكثرتها ليحسم هذه المادة بتقليلها.
وبالعلاج النبوي (الصوم): «ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء» فأرشدهم إلى الدواء الشافي الذي وضع لهذا الأمر (أي الزواج) ثم نقلهم عنه عند العجز إلى البدل وهو الصوم فإنه يكسر شهوة النفس ويضيق عليها مجاري الشهوة فإن هذه الشهوة تقوى بكثرة الغذاء وكيفيته.
وقطع الأسباب المهيجة للشهوة: مثاله (تغييب اللحم عن الكلب والشعير عن البهيمة لئلا تتحرك قوتهما له عند المشاهدة)
ومن هذه الأسباب:
الفكر في الشهوات: أصل الخير والشر من قبل التفكر فإن الفكر مبدأ الإرادة والطلب ... الفكر في الشهوات واللذات وطرق تحصيلها لا عاقبة له ومضرته في عاقبة الدنيا قبل الآخرة أضعاف مسرته.
والنظر المحرم (محرك الشهوة) فيجتنب محرك الطلب وهو النظر، فإن داعي الإرادة والشهوة إنما يهيج بالنظر، والنظر يحرك القلب بالشهوة.
والتسلي عن الشهوة بجنسها من المباحات: مثاله (إعطاء البهيمة من الغذاء ما يميل إليه طبعها بحسب الحاجة لتبقى معه القوة فتطيع صاحبهما ولا تغلب بإعطائها الزيادة.
فإن كل ما يشتهيه الطبع ففيما أباحه الله سبحانه غنية عنه وهذا هو الدواء النافع في حق أكثر الناس كما أرشد إليه النبي.
والصبر: قد يقول قائل: لا أستطيع أن أصبر، الصبر صعب.
فنقول: الصبر عن الشهوة أسهل من الصبر على ما توجبه الشهوة. فإنها إما أن توجب ألما وعقوبة وإما أن تقطع لذة أكمل منها وإما أن تضيع وقتا، وأما أن تثلم عرضا، وأما أن تذهب مالا، وإما أن تضع قدرا وجاها، وأما أن تسلب نعمة، وإما أن تنسي علما، أو تحرم رزقا، أو تجلب هما وغما وحزنا وخوفا لا يقارب لذة الشهوة.
وتعبد الله تعالى بأسمائه وصفاته: ويكون بأمور منها:
أولا: إجلال الله تبارك وتعالى أن يعصى وهو يرى ويسمع ومن قام بقلبه مشهد إجلاله لم يطاوعه قلبه لذلك البتة.
وثانيا: محبته سبحانه فيترك معصيته محبة له فإن المحب لمن يحب مطيع وأفضل الترك ترك المحبين كما أن أفضل الطاعة طاعة المحبين فبين ترك المحب وطاعته وترك من يخاف العذاب وطاعته بون بعيد.
وثالثا: شهود نعمته وإحسانه فإن الكريم لا يقابل بالإساءة من أحسن إليه وإنما يفعل هذا لئام الناس فليمنعه مشهد إحسان الله تعالى ونعمته عن معصيته حياء منه أن يكون خير الله وإنعامه نازلا إليه ومخالفاته ومعاصيه وقبائحه صاعدة إلى ربه فملك ينزل بهذا وملك يعرج بذاك فأقبح بها من مقابلة!
ورابعا: شهود غضبه وانتقامه فإن الرب تعالى إذا تمادى العبد في معصيته غضب وإذا غضب لم يقم لغضبه شيء فضلا عن هذا العبد الضعيف. وقد ذكر الله سبحانه وتعالى عن يوسف الصديق من العفاف أعظم ما يكون فإن الداعي الذي اجتمع في حقه لم يجتمع في حق غيره فإنه كان شابا والشباب مركب الشهوة وكان عزبا ليس عنده ما يعوضه وكان غريبا عن أهله ووطنه والمقيم بين أهله وأصحابه يستحي منهم أن يعلموا به فيسقط من عيونهم فإذا تغرب زال هذا المانع وكان في صورة المملوك والعبد لا يأنف مما يأنف منه الحر وكانت المرأة ذات منصب وجمال والداعي مع ذلك أقوى من داعي من ليس كذلك وكانت هي المطالبة فيزول بذلك كلفة تعرض الرجل وطلبه وخوفه من عدم الإجابة وزادت مع الطلب الرغبة التامة والمراودة التي يزول معها ظن الامتحان والاختبار لتعلم عفافه من فجوره وكانت في محل سلطانها وبيتها بحيث تعرف وقت الإمكان ومكانه الذي لا تناله العيون وزادت مع ذلك تغليق الأبواب لتأمن هجوم الداخل على بغتة وأتته بالرغبة والرهبة ومع هذا كله فعف لله ولم يطعها وقد حق الله وحق سيدها على ذلك كله وهذا أمر لو ابتلي به سواه لم يعلم كيف كانت تكون حاله. قال الحسن بن زيد ولينا بديار مصر رجل فوجد على بعض عماله فحبسه وقيده فأشرفت عليه ابنة الوالي فهوته فكتبت إليه:
أيها الرامي بعينيـ ـــه وفي الطرف الحتوف
إن ترد وصلاً فقد أمـكنك الظبي الألوف
فأجابها الفتى:
إن تريني زاني العيـنين فالفرج عفيف
ليس إلا النظر الفاتر والشعر الظريف
فأجابته:
قد أردناك فألفيـناك إنسانا عفيفا
فتأبّيت فلا زلـ ـت لقيديك حليفا
فأجابها:
ما تأبيت لأني كنت للظبي عيوفا
غير أني خفت رباً كان بي برا لطيفا
فذاع الشعر وبلغت القصة الوالي فدعا به فزوجه إياها ودفعها إليه
واستشعار العوض: فإن من ترك شيئاً لله أبدله الله خيراً منه.
وتذكر الموت والدار الآخرة: التفكر في الدنيا وسرعة زوالها وقرب انقضائها.
فقد كان أبو الدرداء يقول: لو تعلمون ما أنتم لاقون بعد الموت لما أكلتم طعاما على شهوة ولا شربتم شرابا على شهوة ولا دخلتم بيتا تستظلون فيه ولخرجتم إلى الصُّعُدات تضربون صدوركم وتبكون على أنفسكم ولوددت أني شجرة تعضد ثم تؤكل. قال الحسن البصري كانت امرأة بغي قد فاقت أهل عصرها في الحسن لا تمكن من نفسها إلا بمائة دينار وإن رجلا أبصرها فأعجبته فذهب فعمل بيديه وعالج فجمع مائة دينار فجاء فقال إنك قد أعجبتني فانطلقت فعملت بيدي وعالجت حتى جمعت مائة دينار فقالت ادفعها إلى القهرمان حتى ينقدها ويزنها فلما فعل قالت ادخل وكان لها بيت منجد وسرير من ذهب فقالت هلم لك فلما جلس منها مجلس الخائن تذكر مقامه بين يدي الله فأخذته رعدة وطفئت شهوته فقال اتركيني لأخرج ولك المائة دينار فقالت ما بدا لك وقد رأيتني كما زعمت فأعجبتك فذهبت فعالجت وكدحت حتى جمعت مائة دينار فلما قدرت علي فعلت الذي فعلت فقال: ما حملني على ذلك إلا الفرق من الله وذكرت مقامي بين يديه قالت إن كنت صادقا فمالي زوج غيرك قال ذريني لأخرج قالت لا إلا أن تجعل لي عهدا أن تتزوجني فقال لا حتى أخرج قالت عليك عهد الله إن إنا أتيتك أن تتزوجني قال لعل فتقنع بثوبه ثم خرج إلى بلده وارتحلت المرأة بدنياها نادمة على ما كان منها حتى قدمت بلده فسألت عن اسمه ومنزله فدلت عليه فقيل له الملكة جاءت بنفسها تسأل عنك فلما رآها شهق شهقة فمات فأسقط في يدها فقالت أما هذا فقد فاتني أما له من قريب قيل بلى أخوه رجل فقير فقالت إني أتزوجك حبا لأخيك قال فتزوجته فولدت له سبعة أبناء.
والتفكر في مقابح الصورة التي تدعوه نفسه إليها فإن كانت المرأة تفجر معه ومع غيره: فليعز نفسه أن يشرب من حوض ترده الكلاب والذئاب.
كما قيل: سأترك وصلكم شرفا وعزا
لخسة سائر الشركاء فيه
إذ كثر الذباب على طعام
رفعت يدي ونفسي تشتهيه
... وتجتنب الأسود ورود ماء
إذا كان الكلاب يلغن فيه

وليذكر أن ريقه يخالط ريق كل خبيث، ومن له أدنى مروءة ونخوة يأنف لنفسه من مواصلة من هذا شأنه.
فإن كانت المرأة لا تفجر مع غيره: فلينظر إلى ما وراء هذا اللون والجمال الظاهر من القبائح الباطنة لهذه المرأة التي خانت الله ورسوله وأهلها ونفسها، ولا نسبة لجمال صورتها إلى هذا القبح البتة. وليعلم العبد أن نساء الدنيا مهما بلغوا من جمال الصورة فإنهن عرضة للأذى والقذر، ولهذا أزرى الله بهن عندما وصف الحور العين فقال (لهم فيها أزواج مطهرة) أي مطهرة من البصاق والمخاط والبول والغائط والحيض والنفاس وسائر الأقذار والنجاسات، وهذا بخلاف نساء الدنيا. قال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه إذا أعجب أحدكم امرأة فليذكر مفاتنها. والدعاء والانكسار بين يدي الله: فعلى العبد أن يتعرض إلى من القلوب بين أصبعيه وأزمة الأمور بيديه، لعله يصادف نفحة رحمانية، وساعة من الساعات التي لا يسأل الله فيها شيئا إلا أعطاه

JoomShaper