الزهرة هراوة
عادةً ما يلجأ الظمآنُ إلى البئر ليرتوي منها.
تبقى البئر بئرًا تروي - في نظره - الكلَّ دون استثناء.
لكنها ضنَّت عليه بمائها؛ فكلما اقترب صدَّته، وكلما أورد دلْوَه رجع إليه فارغًا خائبًا؛ كأنها تذود عما فيها من كنوز، أو كأنها تخشى أن يكون فيها من الزاهدين ويشريها بثمن بخس دراهم معدودات.

فما كان له إلا أن انصرف ظنًّا منه أن ماءها قد ولغت فيه الكلاب.
لا يعلم أن تلك البئرَ تحتفظ بما فيها لواردها الوحيد الذي سترتسم صورتُه على صفحتها الثقيلة، وتبقى أبدَ الدهر، وإن لم يأتِ فحسبها أنها كانت وستظل نقيَّة لم يقترب منها من يعكر صفاءها.

♦ ♦ ♦ ♦

أختي الحبيبة!
هكذا كوني، وهكذا اجعلي قلبك.

لن أقول لك أحبي وانسي!
قلبك أمانة حافظي عليه.
لا تمنحيه لكلِّ من يطرق بابه، فما أكثر عابري السبيل الذين همُّهم إرواءُ نزواتهم والانصراف.
أدركي أن من يستحقك سيطرق بابك، ويعلم أن لك حرمة، وما أروعها من حرمة!
فقلبُك ليس حقلَ تجاربَ؛ تُجْرِين عليه التجارب منتظرة التجربة الناجحة التي تَسعدين بها، فلا تنهكيه بتجاربَ فاشلة؛ ولا شقة إيجار يسكن فيها كلُّ من هبَّ ودبَّ، حتى يأتي ذلك السَّاكن الدائم، قلبك شقَّة تمليك لها ساكن حصري واحد ليجد سكنًا لائقًا.

يا من تبحثين عن المتعة الزائلة:
ما إن تكبر الفتاةُ حتى تجد في نفسها ميولًا للطرف الآخر، تودُّ أن تُحِبَّ وتُحَب، تبحث عن الاحتواء، أن تكمل ذلك الشعور بالنقص الذي قد يعتريها، خاصة في ظل ظروف أسرة لا تعير بالًا لتلك المشاعر، فلا تجد أمامها إلا الانسياق وراء ذلك الشاب بعد أن أغراها بكلام الحب، فتنجرف نحوه، وتتنازل عن كلِّ مبادئها من أجله، ومن أجل المتعة التي تجدها رفقته.
أختي يا من تبحثين عن المتعة بهذه الطريقة، تأكدي أنها متعة زائلة، وستسبب لك الكثير من الألم في الدارين؛ الدنيا والآخرة.

أختي الحبيبة!
همسةُ محبةٍ تتمنَّى لك الخير، وتريد أن تراك سعيدة بحياتك، وتشعِّين بالحياة والأمل.
تنعمين بسعادة رائقة، وقلب صافٍ، ولن يكون ذلك بأن تجعلي من نفسك ملكًا مشاعًا للجميع.
أنت درة غالية لن يصلَ إليك إلا من يستحقك فعلًا برضا خالقك، ومباركة أهلك؛ فلا تتسرعي وتدخلي طريقًا مشبوهة ظنًّا منك أنها ستوصلك إلى تحقيق أحلامك وبناء الأسرة التي تودين، ولا تغترِّي بما تقرئينه من روايات وما تشاهدينه من مسلسلات، فهذا باطل، وما أسِّس على باطل لا ينجح ولا يُؤتي أكله.

لا تقولي: إننا في زمن تغير، يجب عليَّ أن أسايره، وأن أكون عصرية متألِّقة.
اسألي نفسك: ما غايتك من هذا الحبِّ؟ ما هدفُك منه؟ وإلى أين سيوصلك؟
هل هذه هي العصرنة؟! هل هذا هو التألُّق؟!

السم في العسل:
حافظي على قلبك، كوني قويَّة شرسة إن أمكن أمام ذلك الذئب الذي يغريك بمعسول الكلام، وطيب الحديث، ورقة العبارة، وقد سهلت له مواقع التواصل الاجتماعي - في زمن الإنترنت - الوصول إليك، لكن أنت لن تسمحي له، سيأتيك متودِّدًا بعبارات الحب المسمومة، فاصرفيه من أول لحظة وصدِّيه، فإن لم تفعلي فسيتمكن منك، وما إن يتمكن ينصرف عنك تاركًا إياك تتخبَّطين في أرذال الخطيئة وحدك، اعلمي أختي أنك ما إن تمكني ذلك الغريب من قلبك ونفسك، قد سقطت من عينه، وصِرْتِ في نظره فتاة لعوبًا كأي فتاة من بنات الليل سيقضي ما يريده منك ويرحل.

بإمكانك الوقوف يا من سقطت:
وإن حدث وضعفت، فأسرعي وانفضي عنك أدران الخطيئة، وَالْجَئِي لربِّك، وتوبي إليه، وابكي لتغسلي نفسك وتتطهري، ولا تقولي: لا توبةَ لي، وأنَّى لخاطئةٍ مثلي أن يرضى عنها ربها.
لا، فباب التوبة مفتوح للكل، والله يقبل توبة العبد، فما عليك إلا الرجوع، والتوبة، فالخسران هو أن تظني أن وقعتك تلك لا نجاةَ منها، فتبقين في بقعة الوحل تلك، التي تزيد كل يوم في جذبك إليها وتلطيخك حتى يصعب عليك بعدها الخروج، فقفي الآن، واخرجي منها مهرولة غير ملتفتة لها، واهربي منها كمن يفرُّ من الأمراض الخطيرة المعدية؛ مخافةَ أن يصاب بالعدوى، أو كَفِرَارِ الحيوانات من الأسود الضارية للنجاة بنفسك، وما أعظمها من نجاة!
غيِّري البيئة الفاسدة التي أوقعتك في الرذيلة، وكوني ثابتة قويَّة.

املئي فراغك بهواية مفيدة:
بالقراءةِ، وتجنَّبِي الروايات الماجنة.
بالتطريز والنسيج والخياطة، أنت تضحكين عليَّ الآن، تقولين: من أي عصر حجريٍّ ظهرت لنا هذه؟!
أنا مثلك من القرن الواحد والعشرين، لكن ثقي بي، أن تحوِّلي الموادَّ الخام إلى تحفٍ فنيَّةٍ يجعلك تشعرين بسعادة غامرة ويمنحك ثقة بنفسك، كما أنه يعطيك الفرصة بأن تعبِّري عن نفسك، فالأعمال اليدويَّة: سواء كانت التطريز، أم الحياكة، أم الخزف، أم الرسم، كلُّها أعمالٌ تشغل التفكير لفترة معيَّنة؛ مما يجعلك تعودين لمشكلتك أكثر انتعاشًا وإشراقًا، ويجعلك أقدر على التعامل معها.

لا تثقي بثالثكما:
وإن قلتِ: إنك تتَّقين الله وقد رأيته شابًّا ذا خلق، وامتحنت حسن نواياه، ووثقت به، وعرفت أنه يخاف الله فيك، فلا تثقي بثالثكما.

فترة الخطوبة والتعارف:
كوني على حذرٍ فيها، فاتقي الله في هذه الفترة وابقي متيقِّظَةً؛ فأنت ما زلت غريبة عن خطيبك، وقد لا يتم الزواج، فتجدين نفسك قد تعلَّقت برجل غريب، وما أصعبَ خروجكَ منها!

وفي الختام أقول لك: أحبِّي اللهَ أولًا!
اعلمي أختي الحبيبة أنَّ قلبَكِ بيدِ ربِّك، فاملئيه بحب الله.
عندها ستحبين فيه، وتبغضين فيه.
أتعرفين أختي الحبيبة أن الله قد خلقنا لعبادته وحدَه؛ ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ [الذاريات: 56].
وكيف تكون؟
تكون بالتعرف عليه، وما إن نتعرف على الله حقَّ المعرفة حتى نحبه.
والمحب يسعى جاهدًا لإرضاء محبوبه.
وكيف يرضيه؟
بأن يتقرَّب إليه، ويعمل كلَّ ما طلب منه، ويبتعد عن كلِّ ما يغضبه ويبعده عنه.

JoomShaper