د. أسامة عبدالله
ككل أبٍ يبلغ أبناؤه سنَّ دخول المدارس، هل يختار لهم التعلم في مدارس اللغات، أم مدارس العربي؟!
كنت قد اطَّلعتُ على مِيزات ومشكلات كلِّ نظامٍ - بحكم عملي - ولكن في النهاية اخترت لهم ما يرتاح له ضميري.
إن عمليةَ التعلم باللغة العربية في الوطن العربي أصبحَت تَعِجُّ بالكثير من المشكلات الكفيلة بأن تجعلها أهلًا للهروب منها، بدايةً مِن كثافة الفصول - في بعض الدول - ومرورًا بسوء الاهتمام، وبالوسط الاجتماعي الذي لا تأمَنُ فيه على

أبنائك مِن أن تنتشر بينهم سلوكيات مرفوضة، ونهايةً بضعف النتائج ونُدْرة سوق العمل بعد التخرج.
إننا اليوم نُسارِع الخطى نحو التعلم في مدارس اللغات؛ لِما نظنُّ بأن له مستقبلًا مشرقًا لأبنائنا، متناسِين في غمرة ذلك ما قد ينجُمُ عنه من آثار سلبية، وأولُ هذه الآثار تَغييبُ الهُوِيَّة العربية عن أبنائنا، وفصلُهم تمامًا عن تراث آبائهم وثقافتهم وعادات مجتمعهم، فلا يعتز إلا بحديثه باللغات الأجنبية، بل إنه يجد أنْ لا طائلَ في دراسة اللغة العربية.
إنني أكاد أجزم أن طالبَ مدارس اللغات قد أدرك مِن المفردات ما لم يحصله مِن لغته الأصلية، ويزداد الأمر إذا كان الوالدانِ أكثرَ عناية باللغة في حديثهم خارجَ بيئة التعلم؛ مما قد ينتج عنه أن نوضح لطفل معنى مفردةٍ من مفردات لغته الأمِّ بالمرادف الأجنبيِّ لها!
إن في ذلك لتغريبًا خطيرًا، يُنذِر بفقد أبنائنا لهُوِيَّتهم العربية، ولن أستدعيَ لذلك نظريةَ المؤامرة، بالقدر الذي أؤكِّد فيه ضعف إيماننا بلغتنا وبقدرتِها على مواكبة العصر.
ومن الآثار السلبية لتعلُّم الموادِّ العلمية باللغات: ضعفُ التقدم، وقلة الإبداع والإنتاج؛ حيث إنه من المسلَّم به أن العقل البشريَّ يستطيع التفكير والإبداع والإنتاج بلغته الأم أكثرَ من غيرها من اللغات، ويُؤيِّد ذلك أدلةٌ مِن الحياة قديمًا وحديثًا.
فالأمة العربية بنَتْ نهضتَها في عصر الدولة العباسية، عندما اعتمدت على دراسة العلوم بلغتها الأصلية؛ إذ قام الخليفة هارون الرشيد بإنشاء بيت الحكمة ووقَف عليه علماء مترجِمين، نقلوا إلى العربية العلومَ المختلفة التي انطلق منها علماء آخرون إلى القمة؛ أمثال الرازي عالم الطب الشهير، ومحمد الخوارزمي عالم الرياضيات الأشهر، الذي انقطع للدراسة في هذه الدار، حتى أصبحت اللغة العربية - في ذلك العصر - لغةَ العلم الرسمية.
وفي العصر الحديث نجد أوروبا قد قامت نهضتُها على دراسة العلوم من الكتب العربية المترجَمة، بل إن أوروبا قد عرَفت تاريخها القديم من الكتب التي ترجمها العرب.
كما نجد مثالًا آخرَ - في العصر الحديث - يتمثَّل في كوريا الجنوبية التي تدرُسُ العلوم بلغتِها الأصلية، وقد ظهرت نتائج ذلك؛ حيث أصبحت كوريا تحتلُّ المرتبة الأولى في العالم في براءات الاختراع.
إننا قد أدركنا ذلك كلَّه من قديم، حتى تحدَّث الشعراء عن قدرة اللغة العربية عن استيعاب العلوم والثقافات، وحتى أصدرت مجامع اللغة العربية قرارًا في القرن التاسعَ عشرَ بتعريب الطب، ولكن توقَّفت مصرُ عن تطبيق ذلك بعدما خَطَت فيه خطوات قليلة، واستمرت سوريا وما زال الطب فيها يدرس باللغة العربية، ولم نسمع منهم شكوى بقصور اللغة العربية، بل إن مستوى الأطباء السوريين يفوق غيرَهم.
لذلك؛ فإنني أقرر أنه يجب أن نُسرِع الخطى بتعريب العلوم، والعودة إلى تدريسها باللغة العربية في المدارس؛ حتى لا نُرهِق النوابغ من أبنائنا في أمرين:
الأول: استيعاب العلوم.
والثاني: فهم النص المكتوب بلغةٍ غير لغته.
فلو جئنا بطالبينِ عربيَّينِ على نفس الدرجة من الذكاء، وأعطينا كل واحد منهما مادةً علمية واحدة، إحداها مكتوبة باللغة العربية، والثانية باللغة الأجنبية، وطلبنا مِن كلَيْهما فهمَ ذلك؛ لكان الطالب الذي يقرأ باللغة العربية أسرع فهمًا، بل إبداعًا مِن زميله، وما ذلك إلا لتغيُّر اللغة.
إننا عندما نُقرِّر تدريس العلوم باللغة الأجنبية نعطي للأجانب مِيزَةَ التفوق على أبنائنا، دون أن نقصد؛ وذلك لأننا قد فقَدنا الهدف مِن تعلم اللغات، فليس الهدف هو دراسةَ العلوم، بل الهدف هو ترجمة العلوم، وهذا الهدف هو الذي جعل الرسول صلى الله عليه وسلم يأمر زيد بن ثابت رضي الله عنه أن يتعلم لغةَ اليهود، فأتقَنها في سبعةَ عشرَ يومًا أو أقل، فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يأمر بتعلُّم الجميع للغة العبرية، وإنما خصَّص لها واحدًا؛ لأنه يحتاج إلى مترجم.
إنني أقول: إن الهدف من تعلم اللغات إنما يكون بنقل الحضارة وعلمها إلينا بلغتنا، لا تحويل مجتمعنا إلى ناطق باللغة الإنجليزية.
إننا إن أردنا التقدُّم والتطور والإبداع والابتكار، فلن يكون ذلك بدراسة اللغات الأخرى، ولكن علينا بترجمة العلوم كما فعل هارون الرشيد، وكما فعلت أوروبا نفسُها في العصر الحديث.
إننا نحتاج إلى قرار سياسي يعي ذلك، ويدرك خطورته، فيقرر تعريب العلوم، ويبدأ فيه، ويواظب عليه.
إننا نحتاج إلى أساتذةٍ على استعدادٍ لاستبدال اللغة التي ينقلون بها العلم إلى أبنائهم إلى اللغة العربية، ويُصِرون على ذلك دون ملل.
إننا نحتاج إلى مجتمع يَعِي أن الهدف الحقيقيَّ من تعلُّم اللغات ليس التباهيَ، أو الحصول على مركز وظيفي كبير، أو نجاح شخصي؛ وإنما تُنقَل العلوم ليتقدَّم الوطن بأكمله.
إننا إن أردنا أن نحافظ على هُوِيَّتنا ونخطُو في سبيل تقدُّمنا، ونلحق بركب الحضارة الذي تأخرنا عنه كثيرًا، علينا أن نختار - بصفتنا مواطنين - التعلُّم في مدارس العربية، لا مدارس اللغات، ويصاحب ذلك قرارٌ سياسي.
لذلك فقد اخترتُ لنفسي ولأولادي التعلمَ في المدارس العربية.

JoomShaper