وائل مرزا
من الطبيعي، والمفيد، أن تؤكدَ وسائط التواصل الاجتماعي حقيقةَ التنوع في المجتمعات من حيث الطبائع والشخصيات والأذواق، وطرق التفكير والحياة. فالتنوع سُنةٌ من سنن الوجود الإنساني، وقانونٌ من قوانين الاجتماع البشري. وحين تُساهم تلك الوسائط في إخراج المجتمعات العربية من (التنميط) الذي عاشت وفق قواعده الصارمة سياسياً وثقافياً واجتماعياً، في العقود الماضية، فإنها تقوم بدورٍ إيجابيٍ وفعال، وتُعيدُ الأمور إلى نِصابها. بل إن هذه العملية تؤدي إلى استعادة عنصرٍ آخر مهم لاستمرار وتطوير الحياة البشرية، يتمثل في حرية الاختيار. لأن الحرية كانت وستبقى من أهم الخصائص التي تُحقق ما يليق بالإنسان من كرامةٍ وتكريم.

ويأتي في نفس المنحى إسهامُ الوسائط المذكورة، عن قصدٍ أو بغير قصد، في إحياء عملية التعارف مع (الآخر) أياً كان. بحيث تَخرج التجمّعات البشرية من القواقع الفكرية التي يبنيها الانعزالُ دائماً، وبحيث يتعرّف المرء على أفكارَ جديدة وأساليبَ مختلفة، ويتعلّم وسائل مُبتكرة لتحقيق غاياته وأهدافه. والأهم من هذا كله، يرى الإنسانُ هذا العالم الواسع الذي يعيش فيه، ويجب أن يتعامل معه، يراهُ على حقيقته بكل ما فيها من مكوناتٍ سلبية وإيجابية. فلا يتعامل مع عالمٍ من الأوهام والتصورات الخاطئة وإنما مع واقعٍ حقيقي فيه ما فيه من التحديات.
لكن المفارقة فيما يتعلق بوسائط التواصل الاجتماعي تكمن في قدرتها على أن تكون، أيضاً، مدخلاً لتعميق وترسيخ الفرز السلبي الثقافي والاجتماعي بشكلٍ متزايد، بسبب سهولة استخدامها، وقدرتها على تقديم منابر وقنوات تُمثّلُ جميع أنواع الانتماءات والمدارس الفكرية. لهذا، يمكن أن تمتلك كل مجموعةٍ عرقيّة أو أيديولوجية، وكل قبيلة أو منطقة، وسائط تواصل متنوعة تُعبّر عن أفكارها وتوجهاتها، وتركّز على اهتماماتها وتخدم حاجات أفرادها. إلى هنا، يكون الأمر طبيعياً، ويدخل في إطار مفاهيم التنوع والتعارف التي تحدَّثنا عنها قبل قليل.
غير أن المشكلة تظهرُ حين تصبح الوسائطُ وسيلةً للمبالغة في التمايز عن الآخر، وأحياناً إلى درجة التهجم عليه والحطّ من قدره وقتله معنوياً. ثم تبلغُ المشكلة أَوجَها حين تتحول الأداة المذكورة إلى قوقعةٍ أخرى، ولكن بتكنولوجيا حداثيّة هذه المرة.. بمعنى أنها تُصبح فرصةً لخلق فضاءٍ داخليٍ مُغلقٍ على أفراده، يغلب عليه التلقين، وتتضاءل فيه مساحة التساؤل والنقد والمراجعة، ويُعاد فيه تجميعُ الأتباع حول منظومةٍ نمطيةٍ مُوَحّدةٍ من الأفكار والآراء.
هنا تبدو وسائط التواصل الاجتماعي في أغرب صورها، ويَظهر حجم التعقيد الكامن في تركيبتها الفريدة. وتتبيّن القدرات الهائلة التي تحملُها للتأثير في الحياة البشرية. ففي مثالنا المذكور، تُصبح وسيلةُ الانفتاح نفسُها أداةً للانغلاق والانعزال، ربما يكون مفعولُها أقوى من مفعول العزلة الجغرافية. وتُضحي أداةُ التواصل بين المجتمعات أو بين شرائح المجتمع الواحد وسيلةً للانقطاع، ولتوسيع المسافات، بحيث تُصبح شاسعةً، حتى لو كان أصحابُها يقطنون الحيَّ نفسه!
لماذا يلجأ البعض إلى استخدام وسائط التواصل الاجتماعي بهذه الطريقة؟ هذا هو السؤال الأهم الذي يجب البحث عن إجابةٍ عليه بشكلٍ علمي مؤسسي. لامجال للتفصيل في هذا المقام، لكن المؤكد أن الممارسة تكون لدى البعض اختصاراً للطريق، واستسهالاً في العودة لممارسات القوقعة والانعزال، حتى لو استخدم، هذه المرة، تقنيات الحياة المُعاصرة وأساليبها لتحقيق أهدافه التقليدية.
هناك سببٌ آخر يدفع البعض إلى تلك الممارسة. فالانفتاحُ الذي يحقق التنوع والتعارف ويفسح المجال لحرية الاختيار مطلوبٌ من ناحية المبدأ كما أكّدنا أعلاه. لكن تنزيل هذا المبدأ على أرض الواقع من خلال أنظمة وقوانين ومشاريع وبرامج، تساهمُ حقاً في تطوير المجتمع والحفاظ على توازناته، يحتاج إلى إحساسٍ كبير بالمسؤولية والأمانة قبل أي شيءٍ آخر. لسنا هنا في معرض الحكم على الضمائر والنيّات، لكن الصغيرَ يعرفُ، قبل الكبير، الفرقَ بين مضمونٍ أصيل يحمل رسائل فيها معاني التنوع والتعارف وحرية الاختيار، وبين مضمونٍ يخلق التشاحن والفرقة والبغضاء في المجتمع، بِحُسن نِيّة أو سوءِ طويّة.
هذا واقعٌ يمكن أن يُكرّس ويُجذّر عمليات الفرز الثقافي والاجتماعي السلبي داخل البلد الواحد والمجتمع الواحد. وتلك ممارساتٌ تُشكّلُ تهديداً تدريجياً للسِّلم المُجتمعي يهونُ معه كلُّ تهديدٍ آخر.
قد يرى البعض ضرورة العودة لتشديد قوانين الضبط والربط والمنع والإغلاق ، لكن هذا يبدو صعباً بحكم الواقع ، فثورة المعلومات باتت أمراً قد تَوجَّه، وإيقافه في بقعةٍ محددة، من عالم القرية الواحدة التي نعيش فيها، أمرٌ مستحيلٌ.
لاخيار، إذاً، أمام مثل هذا التحدي سوى التوقف أمام هذه الظاهرة بأبعادها المعقّدة، وإيجاد أنظمة وقوانين وبرامج مبتكرة وعمليّة يتمُّ، وُفقها، توظيف وسائط التواصل الاجتماعي للعب دورٍ هادفٍ وبنّاء، بعيداً عن الإفراط والتفريط.

JoomShaper