سوسن جميل حسن
العربي الجديد
نشرت النجمة الأميركية، أليسا ميلانو، قبل أيام، تغريدة على حسابها عبر "تويتر"، دعت فيها كل النساء اللواتي تعرضن للتحرش، أو لاعتداء جنسي، إلى نشر تجاربهن وإرفاقها بهاشتاغ #MeToo الذي لاقى ترحيبًا وتجاوبًا واسعين من النساء في العالم. واللافت أن نساء كثيرات من منطقتنا العربية تفاعلن معه، وكتبن آراء مرافقة عن التحرش الجنسي الذي كان مصطلحه قد استخدم، للمرة الأولى، في بدايات السبعينيات من القرن الماضي، في تقرير إلى رئيس ومستشار معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا آنذاك، حيث كانت تمارس ممارسات عنصرية ومضايقات تتعرّض لها النساء ذوات البشرة الملونة، فهو مفهوم لدى شعوب عديدة، وله علاقة بالمنظومة القيمية والثقافة السائدة لديها، قبل

أن يصبح مصطلحًا قضائيًا تُشرع من أجله القوانين، في سعي المجتمعات إلى تعزيز الحقوق الإنسانية.
وللحديث عن قضية التحرش الجنسي بشكل عام، والذي تتعرّض له الشرائح الضعيفة، أو المستضعفة، في المجتمع، والتي يشكل الأطفال والنساء أغلبها، لا بد من التركيز على مفهوم الحق الإنساني الذي يجب أن يكون متوفرًا لكل فردٍ من هذه الشرائح المستضعفة، وتعريفه وتحديد عناصره، فالتحرّش، كما تعرّفه الجهات المختصة، هو سلوك مكروه غير أخلاقي، يتضمن مجموعة من الأفعال، تبدأ من الانتهاكات البسيطة إلى المضايقات الجادة التي قد تتضمن التلفظ بتلميحات جنسية أو إباحية، وصولا إلى الأفعال الجنسية، وذلك من طرف تجاه الطرف الآخر من دون إرادته، أي هي، بمعنى ما، فعل اغتصاب، طالما فيها انتهاك للإرادة.
قبل السنوات العاصفة التي مرّت بها منطقتنا العربية، بعد ما هبّت الشعوب في بعضها متمردة على واقعها الغاشم، وممارسات أنظمتها الاستبدادية، فيما سمّي الربيع العربي، ومنها سورية
"الاغتصاب أحد الوسائل الحربية التي مارستها الأطراف كلها بحق أعدائها" التي ما زالت براكينها في حالة نشاط حارق، لم تكن هناك حقوق مواطنة مصونة، ولم يكن وضع المرأة أو وضع الطفولة بخير، بل حُكم المجتمع السوري بمنظومة أعرافٍ وقيم وتقاليد جائرة بحق المرأة، ولم يسعَ النظام السياسي جادًّا إلى إصلاحها، أو إلى العمل على الوعي العام، من أجل رسم صورة أخرى للمرأة أكثر إنسانية، على الرغم من شعارات العلمانية التي رفعها عاليًا في خطابه النظري، فبقيت المرأة رهينة القوالب النمطية التي ظلت تتوارثها الأجيال، بل ازداد جبروت هذه القوالب، وضاقت مساحتها أكثر في سنوات الزلزلة السورية، وما سبقها من تعويم للجماعات الدينية، وفسح مجال أكثر لرجال الدين، ليكونوا أقدر على الإمساك بالمجتمع، حتى إن قوانين الأحوال الشخصية، وما يتفرع منها من مواد ناظمة لأمور الزواج والطلاق والميراث والأسرة والأمومة والأبوة والوصاية والولاية وغيرها، كانت ترسخ دونية المرأة. وساهم هذا الترسيخ الرسمي المضمون بالقوانين بشكل كبير، في ترسيخ منظومة القيم والأعراف والتقاليد، فصارت المرأة المظلومة تعيش الظلم بشكل أكبر وأشرس، تعيش الظلم وامتهان كرامتها وإرادتها وإنسانيتها، بفمٍ ساكتٍ، فلا تقوى على الاعتراض، حتى لو تعرّضت إلى أبشع أشكال التحرش الجنسي، بل حتى لو وصل التحرّش إلى درجة الاغتصاب، فالقانون الذي وارب الاغتصاب، واعتبره جريمة شرف لم ينصف المرأة، بل جاءت العقوبات مخفّفةً وخجولة، ومُنح الرجل حق الزواج بالمرأة لتخفيف جرمه، فأي إهانة أكبر من هذه؟
يمكن الحديث مطولاً عن الإجحاف بحق المرأة، ولكن عندما نرى في الواقع أن لا مواطنة في هذه الدول كما يليق بالإنسان أن يكون، وأن حقوق الفرد مستباحة ومنقوصة ومنتهكة، فإن انتهاك المرأة سيكون تحصيل حاصل.
أما في السنوات السبع الماضية، وبعد أن دمرت الحرب سورية، مدنًا وعمرانًا ومجتمعًا ومؤسسات، وصار معظم الشعب السوري يعيش في ظروف لا إنسانية، فإن الاعتداء على النساء والأطفال صار أكبر من تحرّش جنسي، ليست الأبحاث التي أجرتها منظمة العفو الدولية، وغيرها من المنظمات الرسمية وغير الرسمية، وحدها تظهر أن النساء والفتيات السوريات اللاجئات يتعرّضن للعنف، والاعتداء، والاستغلال، والتحرش الجنسي في كل مراحل رحلتهن، بما في ذلك في أثناء مراحل سفرهن في الأراضي الأوروبية، كما في مخيمات اللجوء، بل كلنا صرنا على اطلاع على ما تكابده النساء في تلك الظروف. وليست النساء في المناطق التابعة للمناطق التي وقعت تحت سيطرة الفصائل المتشددة في أحسن حالاً، بل
"ليست النساء في المناطق التابعة للمناطق التي وقعت تحت سيطرة الفصائل المتشددة في أحسن حالاً، بل وضعهن أكثر سوادًا وبؤسًا" وضعهن أكثر سوادًا وبؤسًا، كذلك النساء في المناطق التي تصنف آمنة، أو تحت سيطرة النظام، فالواقع المعيشي المتردي والهزات الارتدادية التي نجمت عن الزلزال الأكبر والانزياح الحاصل في نواظم المجتمع القيمية والأخلاقية، وازدياد معدل الجريمة والذرائعية التي تقف خلفها، بالإضافة إلى انتهاك القانون بشكل كبير الذي أدى إلى إحساس الفرد بأنه غير محميٍّ بقانون أو سلطة ما تضمن له حقوقه، جعل موضوع السكوت على التحرّش الجنسي، بكل درجاته، حتى لو وصل إلى حد الاغتصاب، أمرًا عدميًا، بل كان الاغتصاب أحد الوسائل الحربية التي مارستها الأطراف كلها بحق أعدائها أو خصومها في هذه الحرب.
يمكن للمرأة في المجتمعات التي حققت حدًّا متقدمًا من المساواة بين أفرادها، بغض النظر عن الجنس أو العرق أو اللون أو الدين أو أي تصنيف آخر، أن تسمّي الفعل المنتهك حقوقها الإنسانية وتعرّفه، وتطالب بتنفيذ القوانين الضامنة لحقوقها، المرأة التي تتمتع بدرجة المواطنة، حرّة الإرادة، غير المحاصرة بقيم وأعراف وضوابط أخلاقية تمحو فرديتها، يمكنها أن تصرخ في وجه من يعتدي على إرادتها بنظرة، فكيف بمن يعتدي على جسدها؟
عندما تحدث الثورة التي تقلب الواقع المستنقع في مجتمعاتنا، وتصبح المرأة سيدة نفسها، مثلما هو الرجل، وأي فرد في المجتمع، وليست جسدا مستباحا للملكية الشخصية أو العامة، عندما تستطيع امتلاك إرادتها، ويتحول المجتمع إلى حاضن لها، وليس جلادًا يحاصرها ويسومها كل أشكال الذل والإهانة، عندما لا تخاف من تقديم الادعاء اللازم لمواجهة ظاهرة التحرّش، ولا تقلق من نظرة المجتمع.. عندها يمكن أن تجاهر بتعرّضها للتحرش، أن تردع المتطاولين عليها، أن تثق بالقانون الضامن لحقوقها.
تتناسب ظاهرة التحرّش طردًا مع العنف المجتمعي؛ فكلما ارتفع هذا ارتفع العنف ضدَّ المرأة، وازداد مستوى استغلالها جنسيًا، والتطاول على كيانها جسدًا وروحًا، فهي والطفل أكثر المستضعفين والمعرّضين للاستغلال والظلم. سورية الراهنة أكبر ميدان للعنف، ربما غير المسبوق في التاريخ، صار يلزمها ثورة أخرى وقيامة أخرى.

JoomShaper