د. عبدالرحمن بن سعيد الحازمي
إن ضعف احترام الوقت سلبية ملحوظة في بعض المجتمعات الإسلامية، وفي أكثر المستويات، والسمة الغالبة هي ضعف الانضباط بالمواعيد، وإن حدث شيء من الضبط للمواعيد عَدّ الناس هذا أمراً غريباً، وكان موضع تعجب!! وقد يُنسب عند التأكيد على ضبط المواعيد أن يكون هذا الموعد مثل مواعيد الإنجليز أو ما شابه ذلك، ونسوا أن دينهم وشريعتهم تؤكد على ذلك أشد التأكيد!!
وإذا أراد أي إنسان تنظيم وقته في كافة شؤون حياته، فإنه يصطدم بالواقع الاجتماعي، فيصبح شاذًّا في المجتمع، وقد يُنسب إليه نقد لاذع بأنه إنسان متأخر ولا يساير التحضر، وكأني به يغرد

في سرب، والآخرون يغردون في سرب آخر.
وقد تجد كثيراً من الناس يردد أنه ليس لديه وقت، فالمشاغل كثيرة ومتعددة، فهذا كلام في الغالب فيه مبالغة!! والملاحظ أن كثيراً من الأوقات تذهب هدراً، المهم نحتاج إلى شيء من التنظيم والترتيب لأعمالنا وأوقاتنا مع شيء من الجدية وحسن الضبط، وسترى أن الوقت كاف.
وقد قال يحيى بن هبيرة الوزير:
والوقتُ أَنْفسُ ما عُنيتَ بحفظهِ ♦♦♦ وأراهُ أسهلَ ما عليكَ يضيعُ
إن كثيراً من السلف الصالح ليس لديهم الوسائل والإمكانات التي توافرت في عصرنا، ومع هذا تجدهم برعوا وأنتجوا وتفوقوا على غيرهم، بل أن بعض السلف من توفي وعمره لم يناهز الخامسة والأربعين، وتجده قدم إنتاجاً علمياً فريداً نتفيأ ظلاله الوارفة حتى يومنا هذا.
إن أعظم أسلوب لترتيب الأوقات في حياة المسلم هو الاستفادة من أوقات الصلوات الخمس، قال تعالى: ﴿ فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا ﴾ [النساء: 103][1]، وجعلها محور تنظيم كل شؤونه: أعماله العامة والخاصة، اجتماعاته، مأكله، نومه، يقظته، فمن استطاع أن ينام مبكراً، ويستيقظ مع صلاة الفجر فقد أعطى جسمه راحة كافية، ثم قام بأداء أعماله بعد صلاة الفجر مباشرة، فهناك وقت طويل حتى دخول صلاة الظهر يصل إلى ست، أو سبع ساعات تقريباً، فالجسم والعقل في هذه المدة قد بلغ مداه من النشاط، فأي عمل مهما بلغ يتم إنجازه بعون الله.
إن البكور أفضل وقت، ولكن للأسف المجتمعات المسلمة غير حريصة عليه، ففي الحديث الشريف قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "اللَّهُمَّ بَارِكْ لِأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا"، وَكَانَ إِذَا بَعَثَ سَرِيَّةً أَوْ جَيْشًا بَعَثَهُمْ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ، وَكَانَ صَخْرٌ رَجُلًا تَاجِرًا وَكَانَ يَبْعَثُ تِجَارَتَهُ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ فَأَثْرَى وَكَثُرَ مَالُهُ[2].
[1] سورة النساء، آية رقم: 103.
[2] أبو داود، سنن أبي داود، كتاب: الجهاد، باب: في الابتكار في السفر، حديث رقم: 2239، وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن أبي داود حديث رقم: 2606.

JoomShaper