أ. د. إبراهيم بن صالح بن عبدالله الحميضي
المتأمل في واقع التعليم - ولا سيما الجامعي - يجد أن ثمة حواجز ظاهرة تعكِّر صفو الجو العلمي، وتعيق الأستاذ عن مزيد من البذل والعطاء، وتحول بين الطالب وبين الاستفادة المثلى من أستاذه علمياً و تربوياً.
إنها الحواجز والمسافات بين الطالب والأستاذ والتي تتمثل في مظاهر وصور شتى.
حيث يدخل الطالب قاعة الدرس وكأنه مدفوع دفعاً، ومُحضر قصراً، ثم ينزوى في أبعد نقطة من الأستاذ، وعلى إثره يدخل الأستاذ مشدودَ الأعصاب، منقبض الوجه، لا يفتح المجال لطرفة عابرة، أو ابتسامة هادئة، خوفاً من اختلال نظام الصف، و انفراط عقده.

هذه الحال جعلت المحاضرات أحمالاً ثقيلة على كاهل الاثنين، يسعى كل منهما إلى وضعها والتخلص منها في أقرب وقت، و أسهل طريقة، فما أن يدق الجرس حتى يتنفس الصُّعداء.
هذه الأحمال الثقيلة يمكن أن تكون وجباتٍ سريعةً و لذيذةً نلتهمها بنَهَم، لو تخلصنا من هذه الحواجز المصطنعة، و قد نجح كثير من الأساتذة والطلاب في تجاوزها، و التخلص من أسرها، و أبدعوا في حسن التعامل والتواصل، زادهم توفيقاً و تسديداً.
إن هذه المشكلة يشترك في إيجادها –في رأيي- أطراف ثلاثة: إدارة الجامعة، والأستاذ، و الطالب، فعلى كل طرف أن يتحمل مسؤولية، و يقوم بواجبه.
أما الإدارة: فعليها أن توفر الجو العلمي المريح و المساعد للأستاذ و الطالب، و ذلك بأمور منها: اكتمال الخدمات، وعدم زيادة عدد الطلاب داخل القاعة عن الحد المطلوب، ومراعاة الأستاذ من حيث عدد المحاضرات، وأوقاتها، والمقررات التي يدرسها، و رفع كفاءته بالدورات التدريبية، و الندوات، و ورش العمل، وغيرها.
و أما الأستاذ: فعليه أن يَعِيَ دوره الرفيع، وأثره البليغ.
أعلمتَ أشرفَ أو أجلَّ من الذي ♦♦♦ يبني و ينشئ أنفساً وعقولا؟
وعليه أن يستعد ويتهيأ لدخول المحاضرة علمياً و نفسياً و بدنياً، وأن يتعلم أصول و أساليب الإلقاء الناجح والمؤثر، كما ينبغي له أن يحنو على طلابه، و يرفق بهم، و يقدرهم، و يشجعهم، و يثنى على الجاد منهم، و أن يصبر على ما يلقاه منهم، و ان يتحدث عن همومهم، ويعالج مشاكلهم، و يلتقى بهم خارج قاعة الدراسة من خلال الأنشطة غير المنهجية، و أن يتبسَّط معهم على وجه لا يخلُّ بشخصيته، و يذهب وقاره.
وأما الطالب: فعليه أن يقدر المرحلة التي وصل إليها، وأنه لم يعد طفلاً يدفع إلى المدرسة دفعاً، ويجبر على الحضور جبراً، و أن يعرف أن فترة بقائه في الجامعة تعتبر من أهم مراحل حياته، بل إنها قد تتحكم في مستقبله العلمي و العملي، و عليه أن يضع نصب عينيه ذلك اليومَ الذي يقطف فيه ثمرة جهده، وعند الصباح يحمد القومُ السُّرى.
كما أن عليه أن يحترم أستاذه، ويحرص على الاستفادة منه علمياً وتربوياً، ويستشيره في يشكل عليه، ويستنصحه فيما يعود بالنفع عليه.
وختاماً أقول: إن هذه مسألة مهمة، ينبغي أن تولى ما تستحقه من عناية، ولم أقصد هنا معالجتها من جميع جوانبها، ولكنْ أردت إثارتها، و طرحها للنقاش، و أرجو من الأساتذة الكرام المشاركة في دراستها، وابتكار الحلول المناسبة لها، و ذكر تجاربهم الناجحة فيها، لتعمَّ الفائدة، أسأل الله للجميع التوفيق والسداد.

JoomShaper