بثينة محمد علي الصابوني
• الإنسان يُولد وتتولَّد معه مواهبُ كثيرة، وطاقاتٌ هائلة وجبَّارة، وإمكانات تَجعله قادرًا على النجاح، فكل إنسان لديه إمكاناتُ النجاح، ولكن نجاحَه يتوقَّف على قدرته على تفجير مواهبه، واستثمار إمكاناته، فإذا ما أساء الإنسان معرفتَه بنفسه، وإذا ما أخفق باستثمار ما أعطاه الله؛ فلا بد أن يكونَ الفشلُ حليفَه!
وأختنا الكريمة التي ستدخل معنا في سباق النساء هي المرأة الطموح.
• والطُّموحُ هو: السعيُ إلى تحقيق الأهداف والغايات، ويعني: "أهدافَ الشخص أو غاياته، أو ما ينتظر منه القيام به في مهمة معينة"، أو هو: المستوى الذي يرغب الفرد في بلوغه، أو

يشعر أنه قادر على بلوغه، وهو يسعى لتحقيق أهدافه في الحياة وإنجاز أعماله اليومية.
إلا أن تحديدَ مستوى الطُّموح بأنه الوصول إلى هدف معين فحسب يعدُّ خطأً؛ لأنَّ الإنسان قد يصل إلى الهدف المحدَّد خلال سنة أو سنين محدَّدة، ومن ثَمَّ يقنع بما وصل إليه ويقف عنده، مما يعني نهايةَ الطموح وبداية الانهيار؛ ذلك أن مَن لا يتقدَّم يتأخَّر عن اللحاق برَكْب المتقدمين؛ لذا فمِن الضروري جدًّا أن يكون للإنسان طُموحٌ بلا حدود.
• والطموح اللامحدود يعني: "أنه كلما حقق الإنسان طموحًا سعى إلى طموح آخر، وهلم جرًّا، حتى يرتقيَ أقصى سُلَّم النجاح"، والفوز العظيم بالجنة؛ قال تعالى: ﴿ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ﴾ [آل عمران: 185]، وقال تعالى: ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 71].
إنَّ الطموح اللامحدود يزرعُ في الإنسان رُوح المثابَرة والجد والاجتهاد، كما يُحفِّزه على التفكير الجاد والتخطيط الدقيق، ويخلُقُ فيه رُوح الابتكار والإبداع، وذلك بهدَف الوصول لأهدافه التي رسَمها في الحياة.
فالطموح إذًا هو مدخل للنجاح؛ لأنه يُفجِّر في الشخص الطاقاتِ الكامنة، ويدفعه نحو استنفارِ كلِّ قُواه العقلية والبَدنية والنفسية، مِن أجل تحقيق مآربه في الحياة، ولكن:
كيف ننمي طموحنا؟
فمِن أجل تنمية الطموح ورفع مستواه لا بد مِن توافر ما يلي:
أولًا: التطلُّع إلى الأفضل، والبحث عن الأسمى، والتفكير في الأحسن.
ثانيًا: عُلُو الهمة.
إذ إن الهمة العالية تُنمِّي في الإنسان الطموحَ، كما أنها مِن مقوماته، فلا طموحَ لمن لا همة له، ولا نجاحَ لمن لا طموح له[1].
يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "قَدْرُ الرجل على قَدْرِ هِمّته"، فالهمةُ العالية تنبت طموحًا رفيعًا، والطموحُ الرفيع يُنبت نجاحًا باهرًا.
ثالثًا: الثقة بالنفس:
الثقة بالنفس من المُقوِّمات الرئيسة لكل مَن ينشُدُ النجاح، ويمكن تعريفها بأنها: "الإيمانُ بما تملك مِن قدرات ومواهب وإمكانات، ومن ثَم صَهْرُ هذه القدرات في بُوْتَقة الحياة".
فثقة الإنسان بقدراته وطاقاته، ومعرفته بما أعطاه الله مِن إمكانات وطاقات - كامنة في ذاته، وقناعته بهذه القدرات والمواهب تُنمي فيه الطموح، أما انعدام الثقة بالنفس، فيُحطم طموح الإنسان؛ إذ كيف يكون طموحًا وهو لا يَثِق بنفسه، كما أن ضعف الثقة بالنفس معناه إلغاء قدرات الإنسان ومواهبه.
يقول علي رضي الله عنه:
دواؤكَ فيكَ وما تشعرُ
وداؤُكَ منك وما تُبصِرُ
وتحسبُ أنك جِرمٌ صغيرٌ
وفيك انطوى العالَم الأكبرُ
فكوني أيتها الأخت الكريمة على ثقةٍ تامَّة بأنكِ تملكين خزائنَ كثيرة، ومستودَعات كبيرة، بها مِن القدرات والطاقات والمواهب ما يُؤهِّلك أن تُصبحي امرأةً عظيمة، وهذه الثقة هي نواةُ الطموح، وخاصة أننا نعيش حياةَ الانفتاح مِن جهة، ونُواجه حضارةً مغايِرة مِن جهة أخرى، فكان لا بد للمرء المسلم أن يسعى نحوَ العلوم الشرعية والثقافة الإسلامية، ثم الشمولية، وأنواع المعارف الأخرى؛ ليعلوَ فوق هذا التيار.
• ولا شك أن أهمية بناء الأسرة وبناء العَلاقات الاجتماعية - أمرٌ هامٌّ، إلا أنَّ هذا لا يكفي، وإنما هنالك أرقى مِن ذلك وأسمى، ألا وهو أن تكوني رمزًا اجتماعيًّا يقتدي بك القريب والبعيد، فيعمُّ الخير الذي عندك.
• ويبقى السؤال عن علاج اللامبالاة والفُتور وضَعْف الهمة سؤالًا واقعيًّا، والجواب عنه واجبٌ؛ لأن طلب الكمال سُنة المؤمن، واتهام النفس بالتقصير علامةٌ إيمانية، وفخرنا بالخيرية والسمو على أناسٍ يَشُوبهم النفاق، لا على قوم مؤمنين.
• وأهمية كلامي هذا هو وضع موازينَ وقواعد؛ لأن النفوس مختلفةٌ، ولكل نفس هُوِيَّتُها الخاصة، وهذه الاختلافات تنشأ مِن حقيقة أن كل نفسٍ مُركَّبة مِن صفات شتى، صفات خير وصفات شر، وفَهمُ التركيبِ النسبيِّ للنفوس هو إحدى أهم القواعد في التعامل مع النفس في كلِّ أحوالها، كما أن هذا التركيبَ الذي تتكوَّن منه نفس شخص ما ليس دائمًا، بل له تغيُّر كبير وواضحٌ في كل حقبةٍ، بل في كل سَنة أو موسم، بل في كل يوم، ولو كانت النفوسُ جامدةً لا تقبل التغيير لما كان للتربية دورٌ ولا معنى، وغالبًا ما يكون هذا التغييرُ بالتطبُّع وقصر النفس على الظهور بمظاهرَ معينة، والقيام بأعمال ثقيلةٍ عليها؛ فتتحوَّل المغالبة إلى عادةٍ ميسورة، وهذا مُستفاد مِن قوله صلى الله عليه وسلم: "الناس مَعادِن، خيارُهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام؛ إذا فقُهوا"[2].
ولا شكَّ أن الملامة لا تُحرِّك كاسلًا ولا تشفي مريضًا، إذًا لا بد من التفتيش عن الأسباب الخفية ومعرفة الثغرةِ، وخاصة وأن بعض أسباب الفتور نفسية، وبعضها نتيجة لأمراض القلب، وهي مجتمعة في حب الدنيا وكراهية لقاء الله عز وجل.
• فإذا كنتِ - أيتها الأخت الكريمة - تُعانين من ضعفٍ في ثقتك بنفسك، فعليك أولًا أن تُحدِّدي أسباب الضعف، ثم تبدئي بعلاج ذلك، وذلك بالقضاء تدريجيًّا على كل عوامل الضعف في ذاتك، ثم حاوِلي أيضًا أن تكتشفي نقاطَ القوة فيك، واعلمي بأنها كافيةٌ لتزويدك بالثقة التامة.
• إن ثقة الإنسان بنفسه، واستعانته بالله عز وجل، تُؤهِّله للاستفادة بما أعطاه الله تعالى ومنَّ به عليه مِن طاقات مُهمَلة، وهي المدخل لكل مَن يريد النجاح في ميادين الحياة المختلفة، أما عندما تنعدم هذه الثقة ويشعُرُ المرء بعدم قدرتِه على النجاح، ولا يملك الثقة بنفسه، ويَنهار أمام ضغوط الحياة النفسية والاجتماعية وغيرها، فسيدخل في نفَقٍ مظلم لا نهاية له؛ لأن الثقة بالنفس تعطي صاحبَها مزيدًا مِن الإصرار على النجاح، ومَزيدًا مِن المثابَرة والفاعلية للوصول لأهدافه، كما أنَّ الثقة بالنفس تُعدُّ العامل الأكبر في سَحْق كل ما تَنْفَطِر عنه النفس مِن مشاعر الخوف والقلق والخجل.
وتأكَّدي تمامًا أنكِ مخلوقة كرَّمها الله عز وجل وأعطاها الكثير مِن المواهب، وما عليها إلا أن تستثمرها وتستفيد منها، ثم صادقي الصديقات الواثقات مِن أنفسهن، واكتسِبي منهن الثقة بالنفس، اقرئي كثيرًا عن حياة العظماء والقادة والزعماء، واستفيدي مِن تجارِبهم في الحياة، فهذا كفيلٌ بأن يزرعَ الثقة بنفسك، وتوكلي على الله؛ ﴿ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ﴾ [الطلاق: 3].
[1] كتاب: "طور نفسك وغيِّر نمط حياتك"؛ للشيخ أسامة بن محمد بدوي البرَّاجة.
[2] أخرجه البخاري ك: "أحاديث الأنبياء" ب: قوله تعالى: ﴿ لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ ﴾ [يوسف: 7]، ح: "3383"، ومسلم ك: "فضائل الصحابة" ب: "خيار الناس" ح: "2526" من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

JoomShaper