عبير الدوسري

تغافلْ ولا تغفلْ فما ساد غافل
وكنْ فطناً مستيقظاً متغافلا
الأبيات السابقة هي لشاعر من العصر الأندلسي، واضحة في معناها عن مفهوم التغافل، وهو الإعراض إرادياً عن أمر صدر من عدو أو صديق، وأنت تتيقن غرضه السيئ منه، وتطبيقه يكون بالحلم أو التسامح في التعامل معه.
إن التغافل -أو كما نقول باللهجة العامية «التطنيش»- هو فن من فنون الحياة الذكية، وهو ليس غباء أو ضعفاً، إنما هو تربية وعبادة، فالتغافل لا يغيّر الحقائق، ولا يبدّد الحقوق، أو يحطّ من

الكرامة، بل يعتبر تجاوزاً عن زلة عابرة لا قيمة لها.
نحن على دراية تامة بأن الحياة قاسية، وتحمل كماً هائلاً من المنغصات والمشاكل والغضب، ونعلم أيضاً بأن كل ابن آدم خطّاء، ولذلك عزيزي القارئ، هل لاحظت انشراح صدرك حينما تتغافل عن هفوة قام بها إنسان بقصد؟ هل استشعرت نظرات الخجل في عيني إنسان عند ترفعك عن سلوكه الخاطئ في حقك؟ أليست هذه دروساً حياتية راقية، يستفيد منها الآخرون لرفعة الأخلاق ذات دلالات حب وإبقاء ود؟
إن التغافل يمنع الشحناء، ويضمن الألفة، لأنه يعطي الشخص الآخر فرصة لمراجعة النفس وتقويمها، عبر نظرة أو ابتسامة عتب، فهو من الحكمة، فقرار التغافل بيدنا، وعلينا أن نتخذه وفقاً للموقف، إذ هو ردة فعل موجهة تجاه السلوك المشين، وليس صاحب السلوك نفسه، ومن شأن التغافل أيضاً أن يمنحنا فرصة للتفكير ودراسة المشكلة التي تجلت عبر تصرّف معين، من أجل إيجاد حلٍّ لها، بدلاً من الانشغال في وقفها وقتياً، الأمر الذي قد يعزز من استمرارها، وكل ذلك يتطلب التدريب مرات عديدة لاكتساب هذا الفن كمهارة حياتية، أختم عباراتي لهذا الأسبوع ببيت لأبي تمّام:
لَيسَ الغَبيُّ بِسَيدٍ في قَومِهِ،،، لَكِن سَيِّدُ قَومِهِ المُتَغابي;

JoomShaper