نعيم محمد عبد الغني
الخميس، 17 مايو 2018 05:36 ص
نعم الله لا تحصى ولا تعد، والله تعالى يقول: {وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا}، قال هذا في آيتين، الأولى: في سور إبراهيم وختمها بقوله: {إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ}، والثانية في سورة النحل وختمها بقوله: {إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ}. سياق سورة إبراهيم يتعلق بصفات الإنسان الذي بدل نعمة الله كفراً، رغم أن الله آتاه من كل ما سأل، فناسب أن تختم الآية بصفة الإنسان: {إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ}، بالإضافة إلى أنها أتت بعد سياق الوعيد والتهديد في قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ}، فكان المناسب لها تسجيل ظلمهم وكفرهم

بنعمة الله. أما آيات سورة النحل ففيها حديث عن قدرة الله ونعمه، والسياق متعلق بالله سبحانه، فكانت الخاتمة: {إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ}، فكل فاصلة مناسبة للسياق الذي وردت فيه.
قال الزمخشري: ومن اللطائف أن قوبل الوصفان اللذان في آية سورة إبراهيم «لظلوم كفار» بوصفين هنا «لغفور رحيم» إشارة إلى أن تلك النعم كانت سبباً لظلم الإنسان وكفره، وهي سبب لغفران الله ورحمته، والأمر في ذلك منوط بعمل الإنسان. وقال النيسابوري في غرائب القرآن تعقيباً على هذه اللطيفة: كأنه قال: إن كنت ظلوماً فأنا غفور، وإن كنت كفّاراً فأنا رحيم، فلا أقابل تقصيرك إلا بالتوفير، ولا أجازي جفاك إلا بالوفاء، تلك صفتك في الأخذ، وهذه صفتي في الإعطاء.
أيها القراء الكرام، إن نعمة الإسلام أعظم النعم، ولذلك فإن آية سورة إبراهيم تشير إلى كفار مكة الذين استحبّوا العمى على الهدى، ومن هؤلاء الكفار جبلة بن الأيهم، واسمه المنذر بن الحارث، كان ملكاً لنصارى العرب، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم إليه بكتاب يدعوه فيه إلى الإسلام فأسلم، لكنه قدم المدينة في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وحج معه، فوطئ أحدهم إزار جبلة بن الأيهم فانحل، فلطمه جبلة، فأمر عمر بن الخطاب جبلة أن يسترضي الرجل الذي ضربه، وإلا مكنه منه، فعظم ذلك على جبلة، وقال: كيف ذاك وأنا ملك العرب؟ قم قال لعمر: سأتنصر، فرد عمر رضي الله عنه: إذا يكون عليك الحد، فطلب جبلة من عمر أن يمهله ليلة يفكر فيها، ثم خرج مع مائة وخمسين رجلاً من قومه وفر هارباً حتى نزل بأرض الروم وتنصر، لكنه ندم على ذلك، وقال:
تَنَصَّرَتِ الْأَشْرَافُ مِنْ عَارِ لَطْمَةٍ ** وَمَا كَانَ فيها لو صبرت لها ضرر
فَيَا لَيْتَنِي أَرْعَى الْمَخَاضَ بِبَلْدَةٍ ** وَلَمْ أُنْكِرِ الْقَوْلَ الَّذِي قَالَهُ عُمَر.

JoomShaper