مصطفى تاج الدين الموسى
صدر في أيلول الماضي 2018 عن الشبكة السورية للإعلام المطبوع، كتاب "زهور فوق الركام"، يضم بين دفتيه إحدى عشر قصة خبرية، لنساءٍ من سوريا في زمن الحرب.
قصص خبرية كتبتها شابات سوريات، حول تجارب حقيقية مع الحرب، وذلك في تجربتهن الصحفية الأولى بعد تدريبهن على (أساسيات الكتابة الصحفية للمبتدئين) في مشروع تدريب للشبكة السورية للإعلام المطبوع SNB، تحت شعار (صحافة تليق بسوريا)، وذلك لتشجيع الشابات المتدربات على خوض التجربة الصحفية، وذلك بتقديم قصصهن للصحافة بشكل بعيد عن

النمطية، تصل لمستوى مادة صحفية غنية بمعلومات واقعية، بأسلوب أدبي ولغة بسيطة.
جاء الكتاب في 67 صفحة، قدم له الكاتب الصحفي السوري "خالد خليل" مدير تحرير SNB.
مشروع التدريب أنتج كتاباً مهماً للغاية، يوثق لقصص نساء سوريات عبثت الحرب بأقدارهن، وبرأيي الشخصي، إن صحافة كهذه يمكنها أن تدخل إلى مآسي السوريين بشجاعة لتوثقها، هي فعلاً صحافة تليق بسوريا، كما أراد لها منظمو مشروع التدريب.
عموماً، القصة الخبرية News Story تحتاج لصحفي محترف يتمتع بمهارات إبداعية، ويعرف كيف يلتقط الزاوية في القصة التي يقدمها، وخصوصاً أن القصة تكون أكثر تأثيراً إذا كتبها صاحبها، سواء أكان هو الضحية فيها، أو بطلها، أو الشاهد عليها. وهذا ما يميز إلى حدٍ كبير صحافة الإعلام البديل، حيث تتغاضى صحافة النظام التي تصدر اليوم، عن مثل هذه التجارب الشخصية، التي يمكن أن تحمل في طياتها إدانة ما له، في حال كُتبت وتم توثيقها.قد يجول في خاطر أحدنا سؤال مهم عندما يسمع بمثل هذه الدورات والورشات الصحفية للمبتدئين: هل يستطيع المتدرب الذي عايش ظروفاً صعبة في الحرب، وكان شاهداً على تجارب شخصية مريرة فيها، أن يمتلك القدرة على السيطرة على عواطفه ومشاعره، لينقل هذه القصص عبر الكتابة الصحفية إلى الجمهور المستهدف بأمانة وحيادية تبتعد عن الإنشاءات اللغوية الأدبية التي تحاول جذب القارئ بأيّ طريقة؟
قد يكون لدينا أمثلة عديدة عن تجارب صحفية سورية مهمة، كُتبت في سنوات الحرب، ونجحت في تحقيق هذه المعادلة الصعبة، ولعل القصص الصحفية التي جمعت في كتاب "زهور فوق الركام" دليل على تحقق هذه المعادلة.
تقول إحدى المتدربات، في كتاب (زهور فوق الركام): لطالما كنتُ أمتلك قضية، ولكن لا أمتلك أساليب الكتابة الصحفية لإيصال قضيتي للناس، ورشة تدريب الـ SNP كانت خطوتي الأولى نحو عالم الصحافة.
تساعد مثل هذه التجارب نساء كثيرات أخريات، لديهن تجارب مريرة في الحرب، على التدرب على الكتابة الصحفية لتروين هذه التجارب بهدف توثيقها وألا تبقى حبيسة الصدور، خوفاً على السمعة، أو خشية العادات والتقاليد.
القصة الصحفية الأولى للمتدربة آيات الصالح، وفيها تروي تجربة المعتقلة أمل الصالح 39 عاماً، من وفاة أمها وحياتها الشاقة في تربية أخوتها الصغار، ومقتل شقيقها على يد قوات النظام، إلى نشاطها في نقل الأدوية إلى الثوار، حتى اعتقالها في تشرين الأول 2012 لتظل سجينة الزنازين إلى الآن.
القصة الصحفية الثانية كتبتها راما الحجي، عن تجربة السيدة عبير الأسمر التي وصفتها بالمرأة الحديدية، عبير الحمصية نزحت في ظروف صعبة إلى الرقة، حيث اعتقلتها داعش خلال رحلتها المريرة في بحثها عن زوجها، ثم نجاحها في الهروب من السجن لتكتشف موت زوجها، ومن ثمّ إلى تركيا حيث كافحت لتعمل وتتعلم اللغة التركية وتبدأ حياة جديدة.
القصة الثالثة كتبتها سهام عماد فندي، عن تجربة جمان محمود التي عانت من العنف العائلي طويلاً قبل أن تهرب بشجاعة إلى بيروت، لتدرس في الجامعة وتحصل على فرصة عمل، تسمح لها العيش بكرامة ومتابعة تحصيلها الجامعي.
القصة الرابعة كتبتها روان العليوي، عن تجربة ثناء محمد ووقوعها بسبب التقاليد السيئة ضحية للزواج المبكر، لتظل أسيرة عنف زوجها لزمن ليس بقصير، قبل أن يطلقها ويحرمها من كلّ حقوقها.
نور الحجي كتبت القصة الخامسة، عن ريم التي نزحت مع أهلها على الرقة عندما كانت عاصمة لداعش في عام 2014، حيث زوّجها والدها دون اهتمام لمشاعرها إلى مجاهد داعشي من المغرب، لتنجب منه طفلاً وسرعان ما اختفى، ليتم تزويجها مجدداً من مجاهد آخر أنجبت منه طفلاً آخر، وتعيش الآن ريم مع طفليها، دون أن تعرف أي شيء عن زوجيها الأجنبيين اللذين قُتلا في الحرب.
تساعد مثل هذه التجارب نساء كثيرات أخريات، لديهن تجارب مريرة في الحرب، على التدرب على الكتابة الصحفية ليروين هذه التجارب بهدف توثيقه
في القصة السادسة كتبت آية العبد الله عن ميسون، الفتاة التي وقعت ضحية أخيها وتحرشه بها، مما أرهقها نفسياً، قبل أن يُقتل في الحرب، وهذا ما تسميه ميسون "عدالة السماء".
وكتبت القصة السابعة بتول عنكير، عن شغف خليل، التي قُتل أخوها في قصف للنظام، وسرعان ما قتلت أمها أيضاً، وعلى الرغم من هذه المآسي، أكملت دراستها بشجاعة لتسجل في الجامعة بقسم اللغة الفرنسية.
جودي الكُتاب في القصة الثامنة تكتب لنا عن عليا إسماعيل، وحكايتها المؤلمة التي لا تقل ألماً عن الحكايات التي سبقتها، أو التي سوف تليها، تكتبُ لنا عن عليا التي كانت ناشطة شجاعة في المشافي الميدانية، قبل أن يعترف عليها زوجها أثناء تعذيبه، لتعتقل وتعذب وتغتصب، وعندما أفرج عنها من هذا الجحيم ورجعت إلى بيتها لم تستقبلها أمها، لتسافر إلى تركيا وتبدأ فيها حياة جديدة.
وعن نور مدور كانت القصة التاسعة، وقد كتبتها نور العتر، نور المدور من رائدات التظاهرات السلمية في داريا، قتل شقيقها وابن عمها على يد النظام، استطاعت مع بعض الناشطات في داريا خلال سنوات الحرب، افتتاح مراكز تعليمية ومدارس للأطفال في الأقبية بعيداً عن القصف، وعند نزوحها إلى إدلب بعد التهجير الأخير لسكان داريا، سجلت في جامعة افتراضية، لكن سرطان الحنجرة لم يمهلها، فتوفيت.
رغد طه تكتب عن حنان الأحمد في القصة العاشرة، حنان التي تزوجت وهي لا تزال في الـ 15 عاماً، سرعان ما طلقها زوجها بعد إنجابها طفلين، وحرمانها منهما، ثم خرجت من إدلب إلى تركيا، لتكمل دراستها الجامعية وتصير مدرسة ومديرة نادي رياضي، كما أنها مسؤولة عن مركز للدفاع عن حقوق المرأة.
القصة الحادية عشر والأخيرة كتبتها بتول حاج موسى عن مروة، التي عاشت في بيئة تقليدية ومحافظة جداً لا تسمح للأنثى بحرية التعبير عن الرأي، وتم تزويجها وهي لا تزال في الـ 17 من عمرها، حيث تبدأ معاناتها مع زوج غير مهتم لها، ليتركها وحيدة ويسافر إلى تركيا، بعد أن تموت أحلامها حلماً تلو الآخر، ولعلَّ أهمها، حلمها بدارسة الصيدلة.
زهور فوق الركام، قصص نساء صمدن في وجه الحرب والمعاناة، وناضلن رغم قسوة الظروف في سبيل حياة أفضل تسودها الكرامة.
أخيراً، هل نستطيع أن نعتبر أن توثيق حيوات وآلام الناس، وأوجاعهم والكوارث التي حلّت بهم كأشخاص في الحرب، هي من المهمات الأخلاقية للصحفي؟ بالطبع، نعم، إنها عمل أخلاقي وإنساني، خصوصاً إذا جاء ضمن الشروط المهنية للصحافة، الشروط والأخلاقيات التي لا يمكن لصحافة النظام أن تجيدها اليوم، ولا حتى غداً.
ملاحظة: أغلب أسماء بطلات هذه القصص هي أسماء مستعارة.

JoomShaper