د. عبد الرحمن الحرمي
أقبل الطفل أحمد بكل لهفة وشوق على أبيه، وهو قادم من العمل بعد غياب عن البيت، الأب كان مشغولاً بالتحدث بالجوال، وتفاجأ باصطدام ولده أحمد به، مما جعله يقطع مكالمته ويتوجه إليه بنظرات تُرسل له رسائل معينة، أن المكالمة أهم منك! وأن صديقي الذي أتحدث معه كذلك هو أهم منك! ثم عَقّب تلك النظرات بقوله: أأنت أعمى؟ ألا ترى أنني مشغول؟ وانصرف عنه ليكمل حديثه بالجوال، نظر الولد إلى أبيه مذهولاً، لم يفهم معنى الأسئلة التي طرحها والده عليه، ثم انصرف مكسور الخاطر يحمل في داخله أسئلة أكثر بكثير من الأسئلة التي سألها والده

له عند استقباله له.
إن مثل هذه التصرفات والأقوال من قبل الآباء تترك آثاراً نفسية على شخصية الأبناء، قد لا نتمكن من علاجها في المستقبل، فمثلاً الشخصية القاسية التي نراها إنما رسمت معالم قسوتها على شخصية الابن بعد الصفعات أو الكلمات الجارحة المهينة، التي تلقاها الابن من والديه أو أحدهما.
إن للكلمات أثراً لا يُستهان به على بناء شخصية الإنسان بخاصة في المراحل الأولى من حياته، فعندما نُسمع الطفل كلمات التوبيخ والتأنيب والتحطيم، وأصابع الاتهام موجهة دائماً إليه في أي تصرف، ثم نطلب منه أن يكون إيجابياً اجتماعياً مبدعاً في الحياة، فكيف يكون ذلك؟ فكم من كلمة رفعت إنساناً إلى أعلى مكانة وحفّزت همته وفجّرت طاقته، وحوّلته من أقصى اليسار الى أقصى اليمين، وكم من كلمة أصابت بالإحباط إنساناً، وجعلته انطوائياً ليست لديه ثقة بنفسه، ولنتأمل في مصطلحات هذا الحديث المبارك، في الصحيحين عن عائشة وسهل بن حنيف -رضي الله عنهما-: «لا يقولن أحدكم خبثت نفسي، ولكن ليقل لقست نفسي»، وهما وإن كانتا بمعنى واحد، إلا أنه كره لفظ الخبث لبشاعة الكلمة، يعني حتى عندما نخاطب أنفسنا نخاطبها بكلمات إيجابية، أو على أقل تقدير أقلها سلبية، فكيف إذا خاطبنا أبناءنا الذين نُعوّلُ عليهم كثيراً في المستقبل، إن الكلمة -خاصة في ديننا الحنيف- لها أثر كبير حتى على مستوى دخول الجنة أو دخول النار، وهذا يجعلنا نراجع نبرات الصوت قبل إطلاق الكلمات، فالكلمات ما هي إلا ملفات تحمل بداخلها معاني كبيرة تُخزّن في ذاكرة الطفل، وتكبر معه، وعندما يحتاج هذا الطفل إلى اتخاذ موقف ما، فإن ذاكرته تجلب له من الماضي ما يساعده على اتخاذ القرار، أو التراجع عنه، وما نحن جميعاً إلا مركبون من كلمات صنعتنا فجعلتنا اليوم بهذه الصورة، وأيضاً نصدر كلمات لها علاقة بالكلمات التي استقبلها عقلنا منذ نعومة أظفارنا.
كلمتي الأخيرة، لنعلم يقيناً أن كلماتنا هي المرآة التي سيرى أبناؤنا أنفسهم من خلالها، فلنحسن أولاً اختيار الكلمة، ثم لنحسن الإرسال ثانياً، ولا نهمل الوقت فهو أيضاً سلاح ذو حدين، يجب استغلاله استغلالاً أمثل.;

JoomShaper