بقلم : د.جاسم المطوع 

عندما نتحدث عن الصحة فإننا في الغالب نتحدث عن النظام الغذائي أو اللياقة البدنية والحركات الرياضية، ولكن هناك مفهوما أكبر وأوسع للصحة، فهناك أمور غير الجسد تحتاج للصحة لأن النظام الغذائي والرياضة تفيد الجسد صحيا، ولكن هناك أمورا ثلاثة يهملها أكثر الناس في صحتهم وهي صحة العقل وصحة الروح وصحة القلب، فأكثر الناس لا يلتفت إلى هذه الثلاثة ويركز

على نوع واحد من الصحة وهو الصحة الجسدية.

فأما الجانب الصحي للعقل فيتحقق من خلال القراءة والمعرفة والتعلم، وأما الجانب الصحي للقلب فيتحقق من خلال التعبير عن المشاعر بطريقة صحيحة وسليمة ووجود الحب في الحياة سواء كان حبا للوالدين أو للأسرة والأبناء أو حب الأصدقاء والأحباب أو حتى حب النباتات والحيوانات، وأما الجانب الصحي للروح فيكون من خلال قوة العلاقة بالله تعالى بالمحافظة على الصلوات الخمس والاستعانة بالله وقت الأزمات والمصائب والاستمرار بذكر الله وقراءة القرآن والعمل الصالح.

أن يعيش الإنسان بصحة جيدة يعني أنه راض بحياته ومقسم أوقاته حسب الواجبات والالتزامات التي عليه ما بين وقت يخصص لك جانب (العقل، والقلب، والروح، والجسد)، ولهذا الشاعر الحكيم لفت النظر لهذه الأمور عندما رأى الناس تركز على الجسد وتترك الروح وتظن أنها ستصبح سعيدة بإشباع الحاجات الجسدية وترك الحاجات الروحية، فقال (يا خادم الجسم كم تشقى لخدمته، أتطلب الربح مما فيه خسران، أقبل على الروح واستكمل فضائلها، فأنت بالروح لا بالجسم إنسان) فالتوازن مطلوب.

وأذكر من القصص المؤثرة أن رجلا رأى طفلا فقيرا مسكينا، فأدخل الرجل يده في جيبه وأخرج مبلغا من المال وقدمه للطفل الفقير وقال له تفضل، فرد عليه الطفل وهو ينظر إليه بعين الحاجة قائلا: أنا محتاج للمسة حانية تمسح بها على رأسي أكثر من حاجتي للمال، فنزلت هذه الكلمة على المتصدق مثل الصاعقة ونبهته على أن الصدقة مثلما تكون بالمال كذلك تكون بالرحمة والعطف ونشر الحب والحنان.

وهناك دراسات علمية كثيرة تفيد أن وجود الإنسان الذي يعيش ببيئة فيها حب وحنان وألفة نسبة الأمراض المبكرة لديه أقل، ونسبة تعرضه للوفاة المبكر أقل من إنسان يعيش في بيئة يشعر فيها بالعزلة والغضب والسخرية والعداء، لأن الاستقرار النفسي ووجود الحب يساهم في وجود صحة سليمة وحياة طيبة، فكلما استطاع الإنسان أن يحقق تقدما على المستويات الأربعة (العقل والجسد والقلب والروح)، ويشبع احتياجاتهما بقدر ما تكون صحته ممتازة ويعيش بسعادة في الحياة حتى لو تعرض لمشاكل أو مصائب، فأنت المسؤول عن سعادة نفسك كما أنك أنت المسؤول عن صحة نفسك،

ومن يتتبع الإعلانات والدعايات للمحافظة على الصحة فإن أغلبها يركز على النظام الغذائي أو اللياقة البدنية والرياضة، ولهذا تجد كثيرا من الرياضيين على الرغم من تحقيق نجاحات في صحتهم إلا إنهم غير سعداء، وكثير ممن حافظ على نظامه الغذائي أو عمل عملية تجميل أو تكميم لإنقاص وزنه وقد حقق هدفه الجمالي ولكن على مستوى السعادة فإنه ما زال يعاني من قلق أو اكتئاب أو عدم الشعور باللذة، ولو دققت حالته لوجدت أنه لا ينقصة شيء من المال والجمال ونعم الحياة من مسكن ووظيفة وسيارة وسفرات صيفية ولكنه يعاني من عدم السعادة لأنه لم يدرك أن السعادة والصحة في أربعة أمور وليست في أمر واحد، فهو ركز على الصحة الجسدية وأهمل الصحة العقلية والقلبية والروحية.

وقد مرت علي حالات كثيرة تشكو من البؤس على الرغم من ترفها وغناها وهي تملك ملك الأمراء والملوك ولكنهم لا يستطعمون السعادة بسبب فقدهم الأمور الأربعة للصحة والسعادة وتركيزهم على أمر واحد فقط، وكم من فقير لديه صحة قوية ويشعر بسعادة كبيرة وهو لا يملك المال ولكنه يملك عقلا فيه علم وقلب محب وروح متصلة بالله تعالى في كل لحظة وجسد قوي يهتم بنظافته ورياضته وحركته.

 

JoomShaper