لها أون لاين/
تسعى المجتمعات قاطبة – مسلمها وكافرها- نحو التغيير إلى الأفضل، ويطمح الجميع لتوفير سبل العيش الكريم للأفراد والمجتمعات، وينشد كل البشر الرفاهية والسعادة، وتلك حقوق مشروعة وآمال ليست عبثية ولا تعدياً في الطموح.
وفي مضمار التسابق نحو تحقيق تلك التطلعات يظهر التفاوت بين كل الأطراف في مدى تحقيقها لما ترنو إليه من التغيير نحو الأفضل، ومنبع هذا التفاوت هو قدرة المجتمع أو قياداته على قراءة سبل تحقيق النصر والفوز بالمكاسب، وذلك ناشئ من أحد أمرين أو بهما جميعاً: دراسة التاريخ واستشراف المستقبل.
وهذان الأمران متلازمان لمن أراد أن يؤسس لحياة كريمة – إن على المستوى الدنيوي أو على المستوى الأخروي – فالله جل وعلا يقول في كتابه الكريم في سورة العنكبوت (20) (قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).
وهذه الآية وغيرها كثير، توحي بأن لله عز وجل سنناً لا تتبدل ولا تتغير على مر الأزمان والعصور (فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ سُنَّةَ الأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا)فاطر(43)، معرفة هذه السنن والاحتياط لنتائجها أحد أعمدة التغيير نحو الأفضل، وليس كل تغيير في المجتمعات أو الأفراد يؤدي لنتيجة أفضل بل قد يكون على النقيض تماماً، وهو خاضع لسنة كونية إلهية عظيمة: (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ)الرعد(11).
فإذا كانت المجتمعات أخذت منحى في التغيير – نحو الأفضل بزعمها- ولكنه مخالف لأمر الله أو مناقض لسنن الله الكونية فحتماً سيحصل التغيير، ولكنه نحو الأسوأ وليس الأحسن مصداقاً لهذه الآية الكريمة فهي تحمل معانٍ كثيرة منها: أن الله تبارك وتعالى بكمال عدله وكمال حكمته لا يُغير ما بقوم من خير إلى شر، ومن شر إلى خير، ومن رخاء إلى شدة، ومن شدة إلى رخاء حتى يغيروا ما بأنفسهم، فإذا كانوا في صلاح واستقامة وغيروا غير الله عليهم بالعقوبات والنكبات والشدائد والجدب والقحط، والتفرق، وغير هذا من أنواع العقوبات، كما بين ذلك المفسرون وأورد هذا النص فضيلة الشيخ ابن باز رحمه الله.
من خلال دراسة هذه السنن الكونية عبر التاريخ واستشراف المستقبل تمكنت مجتمعات كثيرة – ومنها كافرة- من تحقيق رفاهية عالية وتطور مذهل في النواحي المادية، ولكنها في أحيان كثيرة تدهورت روحياً كالرأسمالية، وهناك مجتمعات اعتمدت على جهودها الذاتية مخترقة سنناً كونية ما لبثت تلك المجتمعات أن تهاوت سريعاً من النواحي المادية والروحية كالشيوعية.
واليوم نرى الحراك المجتمعي الكبير في الدول العربية، وهو نتيجة حتمية للأوضاع التي سادت المجتمعات العربية وفق سنن الله الكونية، وللأسف يردد البعض دون وعي أن تلك مؤامرة غربية، ويبرهن على ذلك بما يرى من تدخل الدول الغربية سياسياً وعسكرياً ودعمها لعملية التغيير لطرف على حساب آخر، وسكوتها عن أطراف أخرى في مناطق متفرقة، ناسياً أو متناسياً أن تلك الدول لديها مراكز دراسات لاستشراف المستقبل ومراكز بحوث متقدمة، ومع ذلك عجزت عن التنبؤ بما حصل في تونس ومصر وما تبعهما؛ ولكن تلك المراكز – ومعها تلك الدول- استطاعت أن تستغل الحدث وتركب موجة التغيير؛ لإدراكها أن هناك تغييرات حتمية نتيجة لما وصلت إليه الأوضاع في المجتمعات العربية، والتي تستلزم حدوث تغيير لم يستطيعوا إدراك حدوثه بهذه السرعة المتلاحقة.
التغيير سنة جارية في الكون لها مقدمات تتبعها نتائج، والثبات على وضع محدد غير متغير هو ضرب من الخيال أو الخبال ففي الحديث (حق على الله ألا يرفع شيئًا من الدنيا إلا وضعه) رواه البخاري.
وفي القرآن الكريم (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) آل عمران (140) فهل نعي حقيقة السنن الكونية التي أخبرنا بها ربنا جل وعلا، ونأخذ بأسباب التغيير نحو الأفضل، أم نظل ندور في فلك التجارب الشخصية والاجتهادات الفردية التي لا يبصر أصحابها أبعد من خطوات أقدامهم؟؟
إننا بحاجة ماسة لدراسة تلك السنن الكونية الإلهية، والنظر نظرة اعتبار لما يدور حولنا لنستشرف المستقبل بطموح نحو التغيير للأفضل، وأن لا ننتظر أن تبدأ شرارة التغيير فلا ندري أين تشتعل حرائقها، ومن يشعلها فيكون همنا إطفاء الحرائق، والبحث عن المخربين بدلاً عن بناء مستقبلنا.
إرادة التغيير والسنن الكونية الإلهية
- التفاصيل