إبراهيم جمعة
يدور في معظم أركان وطننا العربي ـ وخاصة بعدما هبت عليه رياح التغيير العاتية ـ جدل و صراعات حول سياستنا التعليمية وإصلاح أوضاع المعلمين وتعديل رواتبهم بما يتناسب وظروف المعيشة، ولا شك أن التعليم كان ولا يزال بوابة النجاح في الكثير من التجارب حولنا، فهذه ماليزيا، ذكر رائد نهضتها مهاتير أن إصلاح نظام التعليم كان أساس النهضة في بلاده، و هذه اليابان، صرح إمبراطورها أن سبب تقدم بلاده هو أنها استفادت من أخطاء الغير وبدأت من حيث انتهى الآخرون وأعطت للمعلم راتب الوزير وحصانة الدبلوماسي! وغيرها الكثير من التجارب الناجحة ارتكزت نهضتها وانطلقت من التعليم.
ومن الناحية النظرية لا ينكر أحد أهمية التعليم في صياغة مستقبل الأمة و طريق نهضتها، ولكن على الجانب العملي لازال التعليم في أوطاننا العربية يواجه تحديات ضخمة تحتاج إلى انتفاضة شاملة.
فإذا تصورنا أنفسنا بمصنع إنتاجي ولدينا الخامة النقية الجاهزة للتشكيل حسب المواصفات المطلوبة ولكننا لاحظنا أننا حين نضع الخامة بالماكينة يخرج المنتج في نهاية الدورة الإنتاجية غير مطابق للمواصفات المطلوبة فلابد أن هذه الماكينة بها الكثير من الأعطاب التي تحتاج إلى إصلاح كذلك هو حال ماكينة التعليم في أوطاننا العربية..
أولا: إذا نظرنا إلى العملية التعليمية ذاتها من خلال المنهج وطرق تدريسه فلازال التعليم في أوطاننا العربية يعتمد الأساليب البالية وإن طرأت بعض التحديثات على الوسائل لكن الأسلوب لم يتغير بعدإ طريقة التلقين و حشو الدماغ بعشرات المقررات، والتي في أغلبها منفصلة عن واقع الحياة، ثم حفظ الأسئلة والأجوبة النموذجية وإعداد المذكرات وتحديد الموضوعات وكتابة الملخصات و إفراغها بالحرف الواحد في ورقة الإجابة يوم الامتحان، هذه هي مجمل العملية التعليمية في أوطاننا والتي يستأهل الطالب على أساسها النجاح من عدمه! دونما اهتمام بجوهر العملية التعليمية نفسها وبناء المتعلمين بناء منهجيا صحيحا والعناية باكتشاف المواهب و رعاية الموهوبين وتنمية مهارات النقد والتفكير والمناقشة والحوار و التفاعل الحي مع مناشط الحياة، وإنتاج شخص وثيق الصلة بعصره، مبتكر ومبدع، وقادر على تلبية حاجة سوق العمل الذي سيخوض غماره، وإن كانت هذه المواصفات كلها تستلزم إعداد كتائب من الأخصائيين أو المرشدين المؤهلين ورواد النشاط المدربين بأعداد كبيرة في كل مدرسة كهيكل موازِ تماما لهيكل المعلمين فلا شك أن دورهم يكاد يكون أشد خطرا وأهمية في العملية التعليمية، ولكن الحاصل اليوم في أغلب مدارسنا غير ذلك، مرشد طلابي واحد لمدرسة بطولها وعرضها، ورائد نشاط واحد بين المئات من الطلاب، ذرا للرماد في العيون فقط!! دونما تقدير وإدراك لأهمية النشاط الطلابي ودور المرشد في تنمية الاتجاهات والميول و صياغة شخصية الطالب وإعداده بشكل تكاملي متوازن، ولعل هذا هو أحد أهم الأسباب الرئيسية في فقد المتعة من البيئة التعليمية وتحويلها إلى بيئة خانقة للطلاب وسبب آخر في إصابتها بالعقم والعجز عن ولادة المبدعين والأفذاذ، إلا من رحم ربك!
وللأسف فإن هذا الكلام كله على الورق محل اهتمام وعناية، فهناك مئات الخطط والجداول و المتابعات و أعداد غفيرة من الزوار والموجهين والمشرفين والتربويين كلهم يتابعون السجلات ويرفعون التقارير،، لكن بأرض الواقع لا زلنا نتحرك في مكاننا، ولازلنا نتعاطى مع النظريات التعليمية الحديثة بأسلوب عقيم من الصعب أن نحقق به نهضة علمية حقيقية.
ثانيا: إذا نظرنا إلى المعلم ـ وما أدراك ما المعلم؟ ـ الذي يمثل حجر الزاوية في العملية التعليمية، هو هو لم يتغير أيضا! المعلم النمطي، الذي يعلم التلاميذ كما تعلم هو، الذي لا ينمي معارفه ولا يواكب مستجدات عصره، ولا يجد الوقت أصلا أو المال ليفعل ذلك ، المعلم الذي يركض في سباق مع الزمن لينتهي من المنهج الطويل غير المتناسب مع الخطة الزمنية الموضوعة له لينافس كبار المهرجين والحواة في حشر فيل كبير في جوف زجاجة صغيرة، ومطلوب منه أيضا أن يكون ذراعا للمرشد الطلابي وعونا لرائد النشاط فضلا عما يكلف به من مناوبات يومية و تصحيح مئات الدفاتر والاختبارات وكشوف الدرجات إلى غير ذلك من الأعباء التي ينتهي العام ولا تنتهي! وفي النهاية لا يجد المعلم من وراء كل هذا الهم راتبا يكفي حاجته أسبوعا واحدا، وصدق القائل:
ألقوه في اليم مكتوفا وقالوا له إياك إياك أن تبتل بالماء!
ولا أدري لماذا تظل تطاردنا عقدة أن المعلم بالوطن العربي لا ينبغي أن يعيش إلا على الفتات، هو وحده من بين البشر يكفيه شرف المهنة، ولا ينبغي له أن يتطلع فوق ذلك! جريمته الوحيدة أنه أصبح معلما في هذه الأوطان!
إن حق المعلم يا سادتنا في الراتب الكافي فضلا عن أنه ضرورة حياتية، فهو تعبير معنوي قبل أن يكون ماديا عن التقدير والاحترام في هذا المجتمع، أما إذا كان راتب المعلمين هو الأدنى من بين المهن في كل العالم العربي؛ فإن الشعور الملازم للمعلم عندنا ـ للأسف ـ أنه الأرخص والأقل قيمة والأضعف حيلة... وتبا لأمة يلازم هذا الشعور النكد أفاضلها من الناس! ماذا ننتظر إذا سيطرت هذه المشاعر على من يشكلون وجدان أبنائنا ويصوغون شخصيتهم و يرسمون لهذه الأمة مستقبلها القادم؟! وترى ـ والحال هكذا ـ أي مستقبل ينتظر أجيالنا القادمة؟!
وعلى الرغم من أن جزءا كبيرا من الموازنات يذهب للبرامج التدريبية والتأهيل التربوي لإعداد هذا الحطام (وبالطبع أقصد المعلم)، ولكن غاب عن القائمين على هذه البرامج أن الأذهان حين تكون مشغولة بالحاجات الأساسية في الحياة، فلن تستطيع قوة تحت سماء هذه الأرض أن تنفخ الروح بهذا الحطام لتصنع به نهضة! فما قيمة أن تعطي فارسا سيفا ودرعا، بينما هو يهلك عطشا وجوعا؟!
ثالثا: إذا نظرنا إلى الطلاب المستهدفين وهم المنتَج النهائي من العملية التعليمية لاتزال النسبة الأكبر منهم من الناحية المعرفية فقيرة رغم عملية الحشو القسرية التي أجريت لهم و من الناحية المهارية غير مدربة ومعدة بشكل لائق، ومن الناحية الوجدانية غير مقبلة على العمل وغير مقدرة لقيمة الوقت وأهميته، وبالتالي لا يلبي هذا المنتج الضعيف في أغلبه حاجة سوق العمل الأساسية، وإن كان ضعف هذا المنتج هو نتيجة لسياسات تعليمية فاشلة سنة بعد أخرى، حولت البيئة التعليمية إلى سجن وقيد بغيض تنقاد له نفوس الطلاب مرغمة و هي كارهة، إذ لا يجدون في هذه البيئة أنفسهم ولا يشعرون فيها بأية متعة تذكر، حتى إذا ما انتهى العام انفلت عقالهم وانفجرت طاقاتهم الحقيقية ولكن في غير صالحهم وصالح الأمة وتقدمها.
وبعض الطلاب كنت أسمعه بأذني يتساءل: ما فائدة هذا التعليم؟ وبعضهم الآخر يدعو على من اخترع نظام التعليم بدلا من أن يدعو له! علما بأن فكرة المدارس التعليمية هي فكرة عربية إسلامية في الصميم فأول مدرسة في الإسلام كانت بداخل الجامع الأزهر بالقاهرة سنة 378 هـ ثم مدرسة دار العلم في بغداد سنة 383 هـ ثم المدرسة الصادرية في دمشق سنة 391 هـ إلى أن جاء وزير الدولة نظام الملك السلجوقي سنة 459 هـ فأنشأ التعليم النظامي (وسمي بهذا نسبة لنظام الملك) واعتنى الرجل ببناء المدارس في أنحاء المدن الإسلامية، وإن كانت تختلف عن المدارس الحديثة من حيث اقتصارها على علوم الشريعة وإهمالها للعلوم الكونية، لكنها حازت قصب السبق في هذا العالم، ولعل من المناسب أيضا أن نذكر أن العرب هم من علم الغربيين كيف يحفظون لغتهم من الضياع، وإلى ابن أجروم الصنهاجي المغربي يرجع فضل نشر علم القواعد في أوروبا، وقد وضع ابن أجروم كتيبا صغيرا أسماه الأجرومية في قواعد النحو لغير العرب الذين يدرسون في جامعات الأندلس فذاع صيته في أوروبا ودرسوه وحاكوا مثله للغتهم، وسموا هذا العلم (جرامر) بالإنجليزية ثم (جرامير) بالفرنسية نسبة إلى الأجرومية العربية (وعفوا لهذا الاستطراد الذي غالبني)
و أخيرا، ففي ظل كل هذه المعطيات التي أسلفتها؛ فإن محرك النهضة في الوطن العربي سيعمل ببطء وبغير اكتراث شئنا أم أبينا، وإن أبناءنا والأجيال القادمة هم الذين سوف يدفعون ثمن الفشل في سياساتنا والتخبط في أولوياتنا! لندور في حلقة مفرغة ونبقى وحدنا بلا منازع نحتل مواقع التخلف والتبعية، رغم أننا خير أمة أخرجت للناس ، وما كان لنا أن نتبوأ إلا الصدارة من العالمين.. وإلى الله المشتكى!
وأبناؤنا يدفعون الثمن!
- التفاصيل