بقلم: يوسف الوهباني
يهل علينا شهر رمضان، شهر الصوم وشهر تجويد العبادة ومراجعة النفس، وهو يعتبر شهرا مميزا، من أشهر المنظومة الهجرية, وننتهز هذه الفرصة لنهنئ جميع المسلمين في جميع بقاع الأرض علي قدوم هذا الشهر الكريم، أعاده الله علينا باليمن والبركات والخير والنماء.
أكرم الله المسلمين بأن فرض عليهم صيام أيام هذا الشهر, وأمرهم بالحرص علي أداء الفروض وحبب إليهم ضرورة أداء الأعمال الخيرة، مما يجعلنا نطلق عليه شهر "تفجير الطاقات الخيرة في نفوس المسلمين".
يحرص المسلمون علي الامتناع عن الأكل والشرب، وأن يحرصوا علي فعل الأفعال الخيرة خلال أيام هذا الشهر, وبالتالي يفجر هذا الشهر في نفوس الصائمين القائمين ضرورة فعل الأفعال الخيرة؛ لأن المسلمين في حالة زهد وامتناع عن شهوتي الطعام والشراب؛ مما يجعلهم يحسون بما يحس به الفقراء والمحرومون في المجتمع، وكذلك يتزودن بطاقة العبادة، وأداء الشعائر الإسلامية؛ مما يصفي مشاعرهم ويقوي إيمانهم، وبالتالي ترتفع لديهم مشاعر الخير، مما يجعلهم يقدمون علي أفعال الخير بجميع أنواعها وأشكالها.
عمل الخير يتوافق ويتواءم مع الطبيعة البشرية التي خلقنا الله بها, فالطفل ينشأ يحب عمل الخير ويظل كذلك حتى يشب عن الطوق ليتعلم ويكتسب بعدها أعمال الشر, فإعمال الخير مزروعة في دواخلنا، بينما أعمال الشر تعتبر دخيلة علي الإنسان, ويظهر هذا جليا علي ملامح الطفل حينما يفعل خيرا, بينما يحاول الاختباء والتخفي عن أعين جميع أهل المنزل حينما يفعل شرا.
تقع مسؤولية إعلاء شأن أفعال الخير علي الوالدين، بحيث يعملوا جهد طاقتهم علي بذر بذور المحبة والمودة في نفوس أبنائهم، وأن يبذروا في نفوسهم أن كل الذين حولهم يبادلونهم حبا بحب ومودة بمودة, وإنهم عبارة عن أفراد في مجموعة تجمعها أواصر المحبة والألفة و العطاء.
ومن ثم يمارسوا هذه العادة عمليا، بأن يحرصوا علي بذل الغالي والنفيس من المال والطعام لأجل تزويد جيرانهم وأقربائهم وكل من يعاني من حالة الفقر في بلدتهم.
بجانب الآباء تقع مسؤولية تنمية روح الخير في نفوس الأبناء, علي مدرسيهم بالمدارس حيث يجب عليهم تنمية روح الخير في نفوس طلابهم، وأن يعملوا جهد طاقتهم لبذر بذور فعل الخير في المجتمع الذي يعيشون فيه, وأن من لم يستطيع فعل الخير في قريته؛ يجب أن يمتنع عن فعل الشر في بلدته علي أضعف الإيمان.
مما لا شك فيه أن أداء المسلم للفروض وكل الشعائر الإسلامية ينمي في نفسه روح الخير وطاقة البذل والعطاء, فمن عزه الله بنعمته فهو قادر علي البذل والعطاء، أما المسلم الذي يعتبر غير قادر علي البذل و العطاء "ليس ثريا" يستطيع تقديم الأعمال الخيرة للمجتمع وما أكثرها من أعمال, مثل الذي بذل نفسه لخدمة المجتمع، من خلال تقديمها لخدمة سكان المدينة التي يسكنها في أفراحهم وأتراحهم وأن يسهم مساهمة فعالة في كل ما يقدم ويطور هذا المجتمع.
ولا يفوتني ذكر عمل الخير الموروث الذي حرص عليه أهل المدينتين المقدستين "مكة المكرمة و المدينة النبوية المنورة" حيث حرص أجدادهم علي تكريم زوار البيت الحرام, وكانوا يتنافسون من خلال القبائل علي هذا العمل الكريم, وحينما يتم الاختيار علي القبيلة لتعمل علي تقديم الطعام للزوار فهذا يعد شرفا كبيرا لتلك القبيلة, ولقد وقع شرف إقراء الطعام للزوار علي قبيلة قريش "قبيلة رسول الله صلى الله عليه وسلم", التي كانت تعتبر من أكبر قبائل الجزيرة العربية آنذاك، ولها المقدرة علي أداء هذا العمل الخير.
ومازال أحفاد تلك القبيلة يحرصون علي إكرام زوار البيت الحرام، بتقديم الوجبات وتقديم ماء زمزم لهم وخصوصا في إفطار شهر رمضان، وأيام الحج المباركة, ويحرصون علي تقديمه بأنفسهم وكان يمكن تأجير بعض العمال لأداء هذا العمل، ولكنهم يحرصون علي بذل جهدهم وطاقتهم ليقدموا هذا العمل الخير لزوار البيت الطاهرين, إنه عمل كبير وأسأل الله أن يمدهم بحبه ومساعدته لتحرص جميع الأجيال القادمة علي مثل هذا العمل الخير الكبير.
عمل الخير عبارة عن طاقة تنمو وتزداد وتزدهر في نفوس أهلها الخيرين, فالذي يبدأ صغيرا في بذل أعمال الخير في الحي الذي يسكن به فلا محالة بأن هذه الطاقة سوف تنمو وتتنامى لتشمل كل أحياء المدينة التي يقطنها، ومن ثم تزدهر لتشمل كل أهل البلد الذي يسكنه، ومن ثم تتنامى لتشمل كل العالم الإسلامي وبالتالي تشمل كل العالم أجمع.
"مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ" سورة البقرة آية 245.
وتكريما لهذا الشهر فقد أنزل الله فيه كتابه الكريم "القرآن الكريم" علي المسلمين، وفيه أيضا أكرم الله فيه عباده الصالحين بليلة القدر, ومن يكرمه فيها يستطيع طلب ما شاء من الله وإن الله مكرمه لا محالة بنيل الأمنية التي طلبها, كما فرض علي كل مسلم صدقة الفطر بحيث تقدم للفقراء قبل عيد الفطر حتى لا يظلل الفرح للأثرياء فقط، وإنما يعم الفرح جميع المسلمين.
اللهم ضاعف عمل الخير في نفوسنا، واجعل كل المسلمين يتنافسون في عمل الخير حتي يعم الخير والبركة أرجاء وطننا الإسلامي الحبيب.
رمضان و تفجير الطاقات الخيرة
- التفاصيل