سليمان صلاح العبد القادر
ولد الإنسان مسلمًا, ولكن آباءه جعلوه يهوديًّا ومسيحيًّا وبوذيًّا وهندوسيًّا وملحدًا ولا دينيًّا, وكل صنف من هؤلاء مقتنعٌ بما هو عليه كاقتناع المسلم بإسلامه, وطالما أنَّهم كلهم مقتنعون فلا يحتاجون لأن ينظروا أو يتبصروا إن كانوا في بحر الحق أو خارجه, إلا إذا طرأهم طارئ الشك, الذي سيبرر لهم إعادة النظر بما هم عليه, والتأكد من مصداقيته.
لكن السواد الأعظم من البشر ولدوا مسلمون وقال لهم آباؤهم أنكم مسلمون وأنكم على الحق فلا داعي لرحلة الصراع والشك المريب, ولعل هؤلاء الآباء نسوا أنَّ هذه الجملة يقولها أيضًا كل آباء العالم لأبنائهم ببساطة ساذجة: أنَّنا على الحق, فبهذه العقلية يتعايش أغلب الناس مع عقائدهم المسلم منهم والكافر, وبالنسبة للمسلم فإنه يقول أنَّ على هؤلاء أن يفكروا ويبحثوا ويتبصروا فإن لم يفعلوا فهم في جهنم وبئس المصير.
أقول لهذا المسلم: هل أنت بدعًا من البشر فلا تتبصر كما يبصرون؟ ولا تشك كما يشكون؟ ولا تعاني كما يعانون؟, ألم يطرأ عليك شكًا في أحد المسائل الدينية قطعية كانت أو ظنية؟, فإن طرأ, لماذا أهملته؟ فالشك هو تساوي المرجحين فهل تقبل أن يتساوى عندك ترجيح الحق والباطل؟, عليك أن تتفكر وتتبصر حتى تعقل ومن ثم تؤمن, أما إن كنت مرتابًا في مسألة الشك فأنا لا آمرك أن تعيش في شك مريب ولكن أن تستخدمه كرحلة العبور إلى اليقين.

عندما تساءل إبراهيم عليه السلام عن كيفية إحياء الموتى فهو لم يشك في مسألة الإحياء ولكن في الكيفية فعندما سأله سبحانه عن سبب سؤاله قال (ليطمئن قلبي), إبراهيم عليه السلام يريد أن تكون الصورة واضحة أمامه بلا أدنى شائبة ويريد أن يطمئن قلبه ويفقه عقله, فهو المؤمن العقلاني, ليس كالراهب الذي تورط بشكوك النصارى في مسألة ثلاثة في واحد, فقال: “إنك لتدخل الجنة لا بد أن تدخلها وأنت معصوب العينين”, يقصد بذلك العقل!

قد يظن القارئ المسلم أنَّ مسألة عصب العينين لم تتسلل لدينه الحنيف, هناك فرق عدت السبعين وكلهم يؤمنون أنَّ الجنة لهم والنار للباقي, وكل مشايخهم – إلا المرحومون- تستعين بثقافة التسليم حينما تتهافت الشكوك, بالتالي كل مسلم خضع لتسليم صاحب المشيخة فهو لا يفكر ولا يتبصر ولا يبحث عن الحق وبهذه الحالة فالكافر الملحد الذي يشكك ويبحث عن الحقيقة أفضل من هذا المسلم الخملان.

نصيحة لهذا المسلم بأي فرقة كان: “أنت في خطر”, لأنَّ إيمانك إنَّما كان استسلامًا للموروث, وخضوعًا للجموع, فلو تغير الجمع الذي تعيش فيه فسافرت أو هاجرت سيتغير معه توجهك الإيماني والأخلاقي ليتماشى معه, أقسم لك بعقليتك هذه لو كنت كافرًا فستظل كافرًا, وحين تموت سيأتيك الشيطان بشبهات لم تترك لنفسك وهلة لتنقها عن ذهنك وتفهمها واكتفيت بالترك, فسهل جدًا حينها أن يثقل لسانك فلا ينطق بالشهادة, والأكثر خطورة أن يحدث هذا في أيامك الخوالي فتيأس من الله أو تشرك بسواه أو تلحد فما لك من إله.

كل ما أنصحك به أنك لو أردت أن تؤمن وتعتقد بشيء فليكن واضحًا كالشمس, وإن أتاك الشك ضيفًا فأكرمه وأحسن ضيافته لأنه سينقذك بالتأكيد في يوم ما, لكن لا تجعله مقيم, بين الشك والشرك حرف وبين الشك والشكر حرف, فإن شككت فاشكر ربك أنَّك لم تشرك بعد وإن أشركت فاعلم أن كاف الشك أصبحت راء لأنك وقعت في أكبر شر.

يقول حجة الإسلام: من لم يشك لم ينظر, ومن لم ينظر لم يبصر, ومن لم يبصر فهو في ضلال مبين.

“نحن أحق بالشك من إبراهيم”, قد – يشككوك – بصحة الحديث, لكنه في البخاري.

JoomShaper