فاطمة الخماس
ويتجدد العزم في مواسم الخيرات، ونتعاهد في تجديد بذور الإيمان، وغرسها في تربة صالحة، نسقيها بماء التقوى. ونظلل على براعمها بسحائب الطاعة؛ حتى تكبر وتتفتح وريقاتها متسامية، يتناثر على نضارتها ندى النفحات الإيمانية والإشراقات النورانية. وما هذه الإشراقات والنفحات إلا دورة رمضانية استثنائية في حياة المؤمن، تربي في نفسه فضائل أخلاقية وتلبسه بسجايا الطاعة "من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر الله ما تقدم من ذنبه وما تأخر"رواه الشيخان.
ولرمضان شعور متدفق في وجدان المؤمن. هذا المؤمن الذي أضاءت سريرته بشعلة الإخلاص الذي لامعه - رياء ولا مراء - وتسامى بفعاله عن شوائب الحياة ومتعها، وتجردت نفسه عن هواها وكل ما يرديها. وتجملت روحه بطاعات.. تتجلى معانيها بدعوات ونفحات هذا الشهر كريم الأعطيات.. وبينات من الهدى والفرقان  وسائر العبادات.
يقول ابن القيم: "الصيام لجام المتقين.. وجنة المحاربين.. ورياضة الأبرار المقربين - لما له من قوة على حبس النفس في روضة الطاعة.. وفطامها عن مألوفاتها.. وتعديل شهواتها".
وهو أي الصوم قربة لله في ملكوته، وألفة يشعرها العبد المؤمن بينه وبين خالقه، تزيد معها البركات وتعم بفضلها الخيرات، فمن ترك محبوبات النفس إيثارا لمن يحب فتحت له أبواب الريان، وارتقى معها إلى الجنان. صوم الروح
أوصى أحد السلف ابنه فقال: "يا بني جدد السفينة فإن البحر عميق، وأكثر الزاد فإن السفر بعيد، وأحسن العمل فإن الناقد بصير".
وتجديد النية والإخلاص لله مع المتابعة هو الزاد الذي لا يستغنى عنه في سفر الصيام، وغيره من العبادات. "فلو صدقوا الله لكان خير لهم" سورة محمد آية 2
ففي هذا الشهر المبارك المليء بالأجواء الإيمانية، يتولد في النفس العزيمة الصادقة، ونستشعر معها  بالانكسار من المعاصي والذنوب، وبذلك تكون النفس مقبلة على الله، فلا تفوت عليها تذكيرها عما غفلت عنه طوال الأشهر الفائتة.
كما أن للصوم مفعول قوي في التغيير الإيجابي للنفس، وإعادة بناءها على الصلاح والفلاح  والتوبة النصوح، وبرمجة الذات على الصبر والمجاهدة؛ في سبيل تحقيق غاية سامية في الدنيا والآخرة.
صوم الخُلق
والنفس راغبة إذا رغبتها                      وإذا ترد إلى قليل تقنع
يقول الحسن البصري: "إن العبد لا يزال بخير ما كان له واعظ من نفسه، وكانت المحاسبة من همته، والهمة هي العزيمة الصادقة والجهاد على تزكية النفس وتطهيرها، وتربيتها على معالي الصفات، ومنها: اللين، والخوف والخشية والإنابة، والمراقبة الذاتية التي نستشعر معها بمراقبة الله وتقواه والافتقار بين يديه".
ومن أنجع الفضائل لهذا الشهر: أن النفس تلجم بلجام التقوى وذلك خير، وتلتزم بسلوك تربوي وأخلاقي، نتعلم فيه كف الجوارح عن سيء الأعمال وأقبح عورها، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أصبح أحدكم يوما صائما فلا يرفث ولا يجهل وإن أمرؤ شاتمه أو قاتله فليقل أني صائم" متفق عليه.
والصيام هو القوة المانعة لكل معصية، والمنع خير من المناعة، ومعه تتحقق الجدية الإيجابية والفعالية في التحلي بالآداب الطيبة، والكف عن سيء القول والفعل والعمل، وبذلك نرتقي في مدارج الفائزين في هذا الشهر، و في بقية الشهور.
البعد الاجتماعي للصوم
ولهذا الشهر الفضيل بخيراته، معاني نيرات، تظهر حقيقة الرحمة، "الراحمون يرحمهم الرحمن"
وتتنوع فيه الألفة والمحبة بين الناس بعضهم لبعض كما في الحديث الشريف"لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" متفق عليه.
وتتجلى معاني الرحمة بمواساة الآخرين، وقضاء حوائجهم والتفقد لأحوالهم، واستشعار حاجة الفقير والملهوف، وتنمية روح الألفة والتعاون المجتمعي  والإصلاح بين الناس، والرأفة والرحمة.
ومن فضائل هذا الشهر
أنه درس نتعلم فيه الاقتصاد في النفقات والابتعاد عن الشهوات المادية والحسية.
وهو ما يعين على الإنتاجية، والسعي الدؤوب للعمل بروح الجماعة والتكافل المجتمعي.
البعد الدعوي
يرتفع في هذا الشهر مؤشر الإيمان، وتتضاعف الأجور طاعة لله واحتسابا، وتتعاظم فيه الأجور لما فيه من أجل العبادات والطاعات "إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين" الآية 90من سورة الأنبياء.
وحتى يتحقق معنى الصوم بصفاته العظام لابد من المساهمة الفعالة والإنتاجية، والمشاركة في الأنشطة التربوية والدعوية الرمضانية ومنها:
الحرص على قراءة القرآن وتدبره، والعمل بما أنزل فيه طاعة لله ومرضاته.
إحياء أيامه ولياليه بالذكر والدعاء لاسيما في أواخر الشهر.
والمشاركة بما تجود به النفس من أعمال يستطيعها الكل منا ولا يشق عليه عملها.
كمشاريع إفطار الصائمين، ودعم حلقات الحفظ ومدارسة القرآن، وطلب العلم ومدارسة العلماء والحلقات الدعوية. وتوزيع الأشرطة والكتيبات والمطويات داخل المسجد والأماكن العامة، وتوزيع الماء والإفطار وتهيئة المساجد للمصلين. والعمرة في رمضان.
البعد الصحي
الصوم له تأثير حيوي منشط على كافة أجهزة الجسم، لما يقوم به من عملية تنظيف الخلايا وبشكل فعال، وذلك عن طريق تدمير الخلايا الضعيفة، وتوليد خلايا قوية سليمة "وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون" سورة البقرة184.
والصوم يضمن الحفاظ على حيوية الجسم ونشاطه.
يقول الإمام الغزالي: "الصيام زكاة النفس، ورياضة الجسم".
وله فوائد عديدة ذكرها العلماء ومنها قول البروفيسور ابيلوي :"إن على كل إنسان خاصة سكان المدن الكبرى أن يمارسوا الصوم بالامتناع عن الطعام لمدة 3- 4- أسابيع كل سنة؛ كي يتمتعوا بالصحة الكاملة طيلة حياتهم، وهذا ما يؤكده الدين في فرضه للصيام واتباعه بستة من شوال، وبذلك تكتمل دورة تنظيف الجسم وتجديد خلاياه، وهذا ما أمر به رسول الله  صلوات الله عليه في حديثه عن صيام رمضان، واتباعه بستة أيام من شوال وكأه صام الدهر كله.
إني صائم:  فلنتسابق في ميدان رحب.  ميدان تتفتح فيه أبواب الخير.
والجائزة : جنة في حساب التقدير الإلهي: "إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به" متفق عليه.

JoomShaper