* د. محمد سعيد حوى
ومرة أخرى إذا أردنا أن نحدد أسباب تخلف الأمة وضعفها وإنتشار الفساد و الاستبداد فيها فيمكن أن نرجع ذلك لما يأتي :
1- تضييع الأمانة .
2- الخلل في استشعار المسؤولية .
3- خذلان الحق وعدم الانتصار لأهله .
وهي من القضايا ذات الأهمية القصوى في حياة الأمم، و عليها يقوم مبدأ المحاسبة والمساءلة والمراقبة و النصح، وإذا ما فقدت هذه القضايا أو بعضها فإننا نجد أن أهم ما يجب أن يعنى به الدعاة و المصلحون في فقه الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر هي هذه القضايا ،مع أننا لا ننكر أن العناية بالأمور الجزئية الأخرى مهم ، ولكن حيث نجد أن البعض يركز على تصرفات الأفراد مثل : شكل الحجاب (إذ أصل الحجاب فرض لاتهاون فيه )، و الانشغال في الأمور الخلافية: هل السبحة بدعة أم لا؟ وهل التعامل مع البنوك الإسلامية جائز أم لا؟ نجد بعض هؤلاء يفرّطون في القضايا الكبرى للأمة بل وربما كانوا نصراء للظلم و الاستبداد ،مع أنهم نصبوا دعاة أو مصلحين ، وهنا تبدأ إشكالية الخلل في حمل الأمانة ؛فإذا وقع في هذا الخلل من نظنهم أول من يسأل عن الأمانة وحملها ؛فماذا سنقول في حق غيرهم من الناس ؟ لخطورة هذه القضية (حمل الأمانة )
كان حديث حذيفة بن اليمان من الأهمية بمكان ،إذ يقول فيه : حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ،حديثين قد رأيت أحدهما ، وأنا أنتظر الآخر :حدثنا أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال ، ثم نزل القرآن فعلموا من القرآن ،وعلموا من السنة ،ثم حدثنا عن رفع الأمانة فقال :» يَنَامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ فَيَظَلُّ أَثَرُهَا مِثْلَ الْوَكْتِ ثُمَّ يَنَامُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ فَيَظَلُّ أَثَرُهَا مِثْلَ الْمَجْلِ كَجَمْرٍ دَحْرَجْتَهُ عَلَى رِجْلِكَ فَنَفِطَ فَتَرَاهُ مُنْتَبِرًا وَلَيْسَ فِيهِ شَىْءٌ - ثُمَّ أَخَذَ حَصًى فَدَحْرَجَهُ عَلَى رِجْلِهِ - فَيُصْبِحُ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَ لاَ يَكَادُ أَحَدٌ يُؤَدِّى الأَمَانَةَ حَتَّى يُقَالَ إِنَّ فِى بَنِى فُلاَنٍ رَجُلاً أَمِينًا. حَتَّى يُقَالَ لِلرَّجُلِ مَا أَجْلَدَهُ مَا أَظْرَفَهُ مَا أَعْقَلَهُ وَمَا فِى قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ . وَلَقَدْ أَتَى عَلَىَّ زَمَانٌ وَمَا أُبَالِى أَيَّكُمْ بَايَعْتُ لَئِنْ كَانَ مُسْلِمًا لَيَرُدَّنَّهُ عَلَىَّ دِينُهُ وَلَئِنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا أَوْ يَهُودِيًّا لَيَرُدَّنَّهُ عَلَىَّ سَاعِيهِ وَأَمَّا الْيَوْمَ فَمَا كُنْتُ لأُبَايِعَ مِنْكُمْ إِلاَّ فُلاَنًا وَفُلاَنًا. متفق عليه .
فإذا نظرنا في هذا الحديث العظيم ندرك خطورة القضية ،وأن الأمانة تأتي بمعان واسعة ،منها : الفطرة التي فطر الله الناس عليها ،وهي فطرة صافية إلا أن البعض يلوثها بسبب الخروج عن منهج الله، ومن معاني الأمانة :
القيام بحق المسؤولية كاملة ،والقيام بحق التكليف كاملاً ، إضافة إلى أداء الحقوق وإقامة العدل ، ويرشد الحديث إلى أنها قضية أصيلة في القلوب ، ويمكنها القرآن والعمل، لقوله :» وعلموا من السنة « فالمقصود بالسنة هنا الإقتداء بالنبي في العمل ، ويشير الحديث إلى أن أهم سبب لفقد الأمانة: الغفلة ،كما يبين أن رفعها متدرج ،حتى لا يبقى لها أثر ،ثم يبين اخطر آثار ذلك متمثلا في إنقلاب الموازين وشدة الإنخداع ،وفقد الرجال الذين يستحقون أن يعطوا الثقة ، ثم أن تعطى الثقة لمن لا يستحقها ، وسبب ذلك كله فقد الإيمان ،و كما في الحديث الآخر :لا إيمان لمن لا أمانة له ،ولا دين لمن لا عهد له . أخرجه أحمد وهو حديث صحيح
إذا الإيمان ضاع فلا أمان ولا دنيا لمن لم يحيي دينه ومن رضي الحياة بغير دين فقد جعل الفناء لها قرينا .
فالحديث يشير إلى سعة موضوع الأمانة، فيدخل في ذلك أمانة العلم والعلماء بحيث لا يضعفون عن قول الحق ولا يحرفون ولا يبدلون ، وأمانة الحكم ، وأمانة رعاية مصالح الأمة ، وأمانة الحفاظ على المقدسات ، وأمانة حفظ الأموال العامة والخاصة ، وأمانة حفظ القيم والأخلاق و الأعراض ، وأمانة حفظ الأسرة و الأبناء ، وأمانة حفظ حقوق الناس ، فضلا عن أمانة الحفاظ على شرع الله وما يرضيه ، وإذا كان الحديث عن أمر الأمانة وفقدها واسعا وإليه ترد مشكلات عصرنا فأخطرها عندما تضيع الأمانة فيما يكون من مسؤلية عامة تخص مصالح الأمة والأوطان ،وعندما يتعاظم الفساد وتطغى المصالح الخاصة ،ويشتد صراع الأجنحه و القوى على حساب الحق و المصلحة والشعوب ،وتسيطر العقلية الإقصائيه القمعيه على العقل و العلم والسياسه والفكر ،ويتزاوج المال والسياسه و المصلحه والهوى ليتسيد الموقف كله على حساب الحق و الأخلاق ؛عندها لا نستغرب أن يتاجر بقضايا الأمة ، وتستباح الحرمات ، ويفرط بشرع الله ؛فيصبح إستباحة الخمر و الدعارة و الميسر أمرا عاديا ،مع السعي من بعض أولئك ليستجلب شهادات الزور ويخفي الحقائق عن الخلق ،ويستغل بعض رجال العلم والدين والإعلام ليخدع الناس ،متناسين أولئك جميعا قوله تعالى : « وقفوهم إنهم مسؤولون « ،ومثل هذا الوضع حذر منه عليه الصلاة والسلام : عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- إِنَّهَا سَتَأْتِى عَلَى النَّاسِ سِنُونَ خَدَّاعَةٌ يُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الْخَائِنُ وَيُخَوَّنُ فِيهَا الأَمِينُ وَيَنْطِقُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ . قِيلَ وَمَا الرُّوَيْبِضَةُ قَالَ السَّفِيهُ يَتَكَلَّمُ فِى أَمْرِ الْعَامَّةِ .مسند الإمام أحمد ، فإذا كان الأمر على هذا النحو من الخطورة ؛علمنا أهمية قضية الأمانة في الإصلاح ،ومن ثمّ أن يركز الدعاة على هذا الجانب في موضوع الأمر بالمعروف .
معانى بعض الكلمات :
الجذر : الأصل
المجل : تقرح الجلد وتكوُّن ماء بين الجلد واللحم وظهور ما يشبه البثور
المنتبر : المرتفع
نفط : تجمع فيها الماء بين الجلد واللحم
الوكت : الأثر فى الشىء كالنقطة من غير لونه .
الرويبضة : تصغير رابضة وهو العاجز الذى عجز عن معالى الأمور
عظم الأمانه
- التفاصيل