رجاء علي
الحمد لله إذا أراد بأمة خيراً وفقها للتمسك بدينها والمحافظة على كيانها، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي ميز أمته على الأمم بعقائدها وعباداتها. أحمد الله تعالى وأستغفره وأشهد أن لا إله إلا الله خلق الأمم مختلفة ولو شاء لجعلهم أمة واحدة، وأشهد أن سيدنا محمداً رسول الله الإمام والقدوة صلى الله عليه وآله وأصحابه الذين قلدوه فيما عمل فأحبوا دينه ونشروا شريعته.
كثير من الناس يذم التقليد ويراه مصدر الشرور والآثام ويلعن التشبه بالغير ويعده سبب الإباحية والخلاعة ويشتاق بعضنا إلى سماع الكلام القارص من الخطباء في ذم التقليد وأضراره بعد ما رأوا من تمرد المرأة على الأخلاق والفضائل والعادات المألوفة وتجاوزها الحدود وتخطيها القيود وتبرجها الشنيع واستهتارها الزائد بالشرف والكرامة وخلع الحياء.
وليس التقليد قاصراً على تقليد المرأة المسلمة للأجنبية، فالرجال منا يقلدون الأجانب وليس كل تقليد بمذموم، فالله خلق غريزة التقليد في الطفل من صغره وبقيت ملازمة له في شبابه وهرمه ولم يخلق الله شيئاً عبثاً ولن يسلح الله خلقه بسلاح مغلول بل لمولانا تعالى حكمة يخلق وهو العليم الحكيم (فتبارك الله أحسن الخالقين).
التقليد عند الطفل يساعده على النطق والتكلم والإدراك والتفهم ويعلمه كيف يأكل ويشرب وينام ويلعب وكل أعمال الأطفال تقليد لآبائهم والمختلطين بهم فإذا صار تلميذاً بمدرسة فلن يعرف اللغة إلا بالتقليد لأهل البلاغة والبيان وعلم الرسم عموماً وعلم الخط خصوصاً، وإذا كان صانعاً أو عاملاً قلد رئيسه وتشبه بمدربه حتى يتقن الصنعة ويحذفها فإذا صار شاباً وأراد أن يعرف العبادة الدينية فلابد له من تقليد شخص يعلمه أعمال الوضوء وحركات الصلاة .

وكذا كل عبادة بدنية ظاهرة لابد فيها من التقليد حتى الحجاج لبيت الله الحرام اتخذوا المطوف يعلمهم مناسك الحج وهم كما يعمل عاملون والتشبه بالعظماء فى فضائلهم وبالرجال فى عزائمهم وبالأبطال فى شجاعتهم ومروءتهم وتقليد كل خلق فاضل وفعل حميد أمر لا يذم ولا يقبح وكيف نذم كل تقليد، والله تعالى قد أمر خير البرية بأن يقلد من سبقه من الرسل في الثبات والقوة والصبر والعزم.فإذا كان الرسول المختار قلد الرسل من قبله في خلقهم، فكيف نستغني عن التقليد النافع والتشبه الطيب المفيد ومحاكاة الغير في الخير وحسن الخلق؟

لابد من القدوة لا غنى عن الأسوة فالتقليد الحسن يسهل علينا كثيراً من أعمالنا ويربي خلقنا ويغرس الفضائل في نفوسنا حتى تصير عادة ملازمة وصفة ثابتة وما حبنا للعظماء إلا لرغبتنا في تقليدهم والتشبه بهم (إن التشبيه بالرجال فلاح) لذلك ألزمنا الله بتقليد سيد الخلق صلى الله عليه وسلم والتأسي به في قوله وفعله.

أما التقليد المذموم والتشبه المضر فهو ما يصادم أوامر الله ويخالف عمل رسوله صلى الله عليه وسلم ويجر إلى رذيلة، والتقليد السيئ هو الجمود على العادات السخيفة والتمسك بالخرافات والأباطيل والتعصب للرأي الخاطئ بعد ظهور الحق، ومن الأسف أن المسلمين تركوا تقليد رسولهم وقلدوا الكافرين وأهملوا التشبه بأبطال الإسلام وتمدحوا بأعمال الفرنجة.فالقرآن يدعو إلى التعقل والتدبر والتفكر والتماس الدليل والحجة والبرهان ليطمئن القلب إلى اليقين والاعتقاد السليم.

ومن شر أنواع التقليد وأعظمه خطراً تقليدنا للغربيين في الاتجار بالخمور وشربها علناً واتخاذ بيوت البغاء الرسمي وأماكن القمار والميسر والاختلاط الشائن بين الشبان والشابات المستهترات، حتى الرقص الخليع والسفور الفاضح الذي عم جسم المرأة لا وجهها فقط قلدناهم فيه وظننا أن لا تقدم ولا رقي إلا بذلك وهل التقدم في خدمة اللذة الحيوانية؟

يا من تنشدون التقدم وتبغون الإصلاح لم لا تقلدونهم في الاختراعات وإتقان الصناعات؟ لم لا تقلدونهم في اتخاذ الطائرات والغواصات وضروب التفنن العملي؟ لم لا تقلدوهم في النشاط وتأدية الواجب والتعصب للوطن وللعقيدة؟ قال صلى الله عليه وسلم: (لتتبعن سنن من قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب خرب لدخلتموه وراءهم. قلنا: اليهود والنصارى يا رسول الله؟ قال: فمن غيرهم.

JoomShaper