إبراهيم كشت
في البدء كانت الكلمة.. لكن قبل أن تكون للكلمات معانيها الحرفية التي تضمها قواميس اللغة، أو معانيها الاصطلاحية التي ترشدنا إليها معاجم الفلسفة والمراجع العلمية المتخصصة، بل قبل أن تكون لها معانيها التي استقرت في أعراف الناس فتداولوها، أقول : قبل ذلك كله وبعده، فإن للكلمات معانيها النفسية والفكرية، ذات الامتدادات الطويلة المتشعبة في تلافيف الدماغ وثنايا الوجدان. أقصد أن معنى الكلمة أو العبارة لا يقتصر على مدلولها الحرفي أو الاصطلاحي أو المتداول، فللكلمات والعبارات غالباً مضمونها الفكري والعاطفي، أي أن لها معنى خاصاً توصله إلى عقل السامع ووجدانه، بما تثيره لديه من أفكار ومشاعر وذكريات وخيالات.. وهو معنى يختلف من شخص لآخر، حتى وإن كانت لغة الخطاب بينهما واحدة.
ولأن الكلمات تشير إلى أشياء مادية أو معنوية، فالحقيقة أن تلك الأشياء هي التي تكون لها في النفوس والعقول معانيها، ونقصد بالأشياء هنا كل ما هو موجود، أو كل ما له خصائص، وبالتالي فإن الأشياء تشمل الأشخاص والأحياء والمواد والطاقة والأفكار والمشاعر والزمان والمكان وسوى ذلك. فبعض الأشياء تثير في النفس فيضاً من المعاني تشتمل على أحاسيس وعواطف وصور وأبعاد فكرية ونفسية غزيرة، قد تكون ايجابية أو سلبية. وربما لهذا السبب نجد أن كلمة (sense) الانجليزية تحمل دلالة على الشعور والوعي والحسِّ والاتجاه والإدراك في نفس الوقت الذي تعطي فيه دلالة على (المعنى)، فكأن ثمة روابط أقامها لفظ (sense) هذا بين مدلول الحسِّ والشعور من الجهة، ومدلول (المعنى) من جهة أخرى.
وفي اللغة العربية كذلك، نجد أن كلمة (المعنى) لا تفيد ما يدل عليه اللفظ وحسب، فحين نقول في العربية مثلاً (عنى الأمرُ فلاناً) نقصد بذلك أن الأمر أَهمّهُ وأشغلهُ فهو معنيٌ به، وحين نقول : (إن هذا الشيء لا يعنيني) نقصد بذلك إن هذا الشيء لا يشكل بالنسبة لي قيمة أو وزناً أو اعتباراً، وتشير معاجم اللغة العربية كذلك إلى أن قولنا (فلان حسن المعاني) يفيد أنه حسن الصفات. ونلاحظ أننا نستخدم لفظ (المعنوي) نسبة إلى المعنى ونقصد بذلك شتى المشاعر والأفكار والمعتقدات والقيم وسواها مما هو موجود في حياتنا لكنه ليس مادياً يدرك بالحواس. ونقول في العربية كذلك (إن هذه العبارة مفعمة بالمعاني) لنشير إلى أنها توحي بجملة من الأفكار أو العواطف أو الصور.
إذن فـ (المعنى) بمدلوله الواسع ليس مجرد فهمنا للكلمة، بل هو إحساسنا بالشيء وما يبعثه في الوجدان من إيحاءات وفي الذهن من تداعيات، إنه نظرتنا إلى ذلك الشيء، وفهمنا له، وإحساسنا به، وموقفنا منه، ومقدار ما نمنحه من قيمة. وطبقاً لهذا المفهوم فإن لمعاني الأشياء لدى كل شخص دوراً كبيراً في تشكيل شخصيته وحياته وسلوكاته، فلئن كان للجينات فعلها الأكيد في تحديد صفات الإنسان الجسدية والنفسية والعقلية، فإن للمعاني التي تثيرها الأشياء في نفسه وعقله، والتي يكتسبها عادة من خلال ما يتلقاه من أسرته ومن الشارع والمدرسة والمجتمع والتجارب والخبرات والثقافات من حوله، لتلك المعاني أيضاً أثرها الأكيد في توجهاته وقيمه ومواقفه وتصرفاته.
ولكي لا تبقى هذه الأفكار المتقدمة بمثابة تنظير بعيد عن واقع الحياة، ولتوضيح فكرة (المعاني) هذه، أطرح على القارئ الكريم هذا المثال أو هذا السؤال : ألا تعتقد أن كلمة (الآخر) مثلاً لها معانيها العميقة المتعددة التي تختلف من شخص لآخر ومن جماعة لأخرى ؟ راقب سلوك عدد ممن تتعامل معهم لتصل إلى معنى (الآخر) بالنسبة إلى كل منهم، وستجد أن (الآخر) بالنسبة للبعض يعني دائماً الخصم والعدو المبين الذي ينبغي أن نحذره، إنه يمثل الشر والكيد والتآمر والمُعيق الذي يحول دون وصول الهدف، بينما يعني للبعض مجرد أداة ينبغي أن نستخدمها ونستغلها لتحقيق مآربنا، وقد يعني لفئة ثالثة أناساً مثلنا قد يختلفون معنا في المعتقدات أو القيم والثقافة لكنهم بشر لهم كيانهم وقيمتهم وكرامتهم الإنسانية ولهم حقهم في الاعتقاد والتعبير.
وقياساً على المثال السابق، يمكنك مثلاً أن تبحث عن معنى (المرأة) لدى فئات مختلفة من الرجال، فقد تجدها تعني بالنسبة للبعض إنساناً مساوياً للرجل في الإنسانية والحقوق والواجبات والقدرات، بينما تعني للبعض الآخر إنساناً ناقص الإنسانية والحقوق والقدرات، وتعني لسواهم أداة استمتاع وإنجاب وعمل في المنزل، أو تعني العورة والعيب والضعف.. وهكذا، وخذ مثلاً آخر معنى (المواطن) بالنسبة للأنظمة في الدول المتقدمة والمتخلفة، فقد يعني (المواطن) للبعض منها محور الدولة ومصدر السلطات وهدف جميع الخدمات، بينما يعني بالنسبة لأنظمة أخرى إنساناً قاصراً يحتاج لسلطة ترعاه وتقمعه وتؤدي له الخدمات من قبيل الفضل والمنّة.. وهكذا.
ولعل ما تجدر الإشارة إليه، ونحن بصدد بحث مفهوم (المعنى) أن نذكر أن الفلاسفة اهتموا على نطاق واسع بموضوع (القيم) لما لها من أثر في حياة الإنسان وتوجهاته وسلوكه، كما أهتم بهذا الموضوع علماء الاجتماع، بالنظر لتشابه (القيم) في المجتمع الواحد وأثرها في سلوك الجماعة، بل بدأ علم الإدارة يهتم أيضاً بدراسة (القيم) بعد أن اهتدى إلى تأثيرها في العلاقات داخل المؤسسة وأثرها في الإنتاج وتحقيق الأهداف. وما أردت قوله هنا هو أن (المعاني) التي سبقت الإشارة إلى مفهومها، أكثر اتساعاً من مفهوم (القيم)، فالقيم تشير إلى كون الشيء ذا وزنٍ أو اعتبار، أو كونه مرغوباً، أو ذا جدوى أو نافعاً بالنسبة لشخص ما، أما (المعنى) فيشير إلى كل ما في النفس والخلد من مشاعر نحو شيءٍ ما، وما حوله من أفكار، وما يثيره من صور، وقد يكون من ضمن تلك المشاعر والأفكار والصور التي يحملها المعنى تقدير ووزن، أي قيمة لذلك الشيء، ولكن تلك المشاعر والأفكار والصور قد تكون سلبية ولا تشكل قيمة، وبالتالي أرى أن الاهتمام بـ (المعاني) بمفهومها الواسع أولى من الاهتمام بالقيم، دون أن يعني ذلك الانتقاص من أهمية القيم وجدوى البحث فيها.
وأحسبُ أن لهذا الفهم لمصطلح (المعنى) أهمية كبيرة في دفعنا للانتباه إلى ما نحمله من معانٍ للأشياء من حولنا، وما نُعلِّمه لأبنائنا أو للنشء أو لمن لهم علينا حق التعليم من معانٍ، بحيث نحاول أن نضيف إلى تلك المعاني سواء كانت للأشخاص أم الأحياء أم الجمادات أم المشاعر أم الأفكار.. معانٍ أخرى سامية، كالمحبة والجمال والحق والإيجابية والموضوعية والتسامح وما إلى ذلك.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
في النفس والمجتمع ... المعاني في حياتنا
- التفاصيل