باسم زكريا السمرجي
أحسب أنَّ اليأس والإحباط لا يغزو أي منهما قلبي إلا بعد أن يطمأنّ أنَّ الإيمان فيه هزلت جنده وارتعشت دعائمه. فكيف يُحبط من آمن بالله وأسلم له؟! أليس الإسلام استسلامًا لله يُسلّم المسلم فيه نفسه لخالقه الذي بيده كل شيء تسليمًا يحرره من كل تعلّق بمن وبما لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرّا؟ أليس الإسلام استسلامًا لربّ هو في قدرته رحيم، وفي عدله حليم؟ أليس الإسلام استسلامًا لربّ خلق فأبدع، وكلّف فأعان, وعُصي فأمهل؟ أليس الإسلام استسلامًا لربّ وعد بالدفاع عن المؤمنين، وتوعّد من عادى من عباده الأولياء المحسنين؟ أليس الإسلام استسلامًا يحرّر العبد من التعلّق بالأشياء والتوقف عند المباني ويطلق روحه لتحلّق في فضاء المعاني، لتنساب في عالم متجاوز للزمان والمكان، حيث لا هناك ولا هنا لا أين لا كيف لا متى, عالم المقصد فيه سعيٌ والسعيُ فيه اقتفاء لمقصد لا تكتمل حلقته إلا حين يرى الإنسان اليقين رأي العين ملائكة – نرجوها ملائكة رحمة – تصحب الروح في رحلة العودة إلى حيث تنتمي، إلى السماء.

يجتهد الأب – مستدعيًا كل قوّة مستنفرًا كل سلطة – في تربية ابن واحد، فكم أب سار ابنه حقًا على المسار الذي رسمه له أبوه مسارًا واحدًا “صحيحًا” واجتهد كي لا تحيد قدم ابنه عنه ولا ترى عينه سواه؟! فكيف بمن ارتضوا لأنفسهم موقع المسؤولية عن مجتمع, وليس لهم سلطان عليه إلا بقدر ما أراد ذلك المجتمع؟ إنْ كان عمل هؤلاء الذين احتملوا على أنفسهم مثل تلك المسؤولية للمجتمع فقد اختاروا لأنفسهم أن يسابقوا الريح والأغلال تكبّل أياديهم وأرجلهم، أما إن كان عملهم لرب المجتمع وربهم انطلقوا وحلّقوا وتخففوا، والله إما أن يُريهم نصرا دنيويا يثلج صدورهم، أو يحبس عنهم ذلك لآخرة لا يفنى فيها النعيم، ولنتذكر أن من الأنبياء من لم يؤمن به أحد ويأتي يوم القيامة وليس معه أحد، وهو نبي أي من أفضل الخلق.

كيف كانت مصر قبل الثورة؟ هل نبالغ إن قلنا أنّ انسداد الأفق كان حالنا وحالها؟ كنا جيلاً عاش ولم يرَ سوى مبارك رئيسا، وكنا نتصوّر أننا سنموت جميعًا وهو ما زال رئيسًا، وكأنَّ له مهمّة مقدّسة تتعلق بالإشراف على صعود أرواح جيل من المصريين إلى باريها. كثير منّا نحن الشباب كان يفتّش في “أهرام الجمعة” عن أي فرصة للعمل خارج البلاد. وشبكة المصالح العنكبوتية تقف حائلاً بين المرء وبين الوصول إلى فرصة عمل تكفل حياة كريمة. كثير منّا كان يحاول أن يتكيّف مع فكرة أننا تحوّلنا إلى أشياء توّرث. كثير منّا كان يخجل أن يجاهر بمصريته ويضع مكان صورته الشخصية على “الفايس بوك” صورة العلم المصري والنسر فيه يتوسّط نجمتي داوود في إشارة لمواقف الدولة المصرية المخزية من القضية الفلسطينية. كثير منّا كانت تختلط عليه مشاعر الغثيان والتوجس حين يمر أمام قسم شرطة.

وأين نحن الآن؟ مبارك ونجليه محبوسان، حبيب العادلي ومعاونوه في القفص. تولّت مؤسسة القوات المسلّحة المهيبة إدارة شؤون البلاد ويكفي أن نسمع اهتزاز نبرات أصواتهم – حتى وإن بدا فيها تماسكًا عسكريًّا مُتكلّفا – حتى نعلّم أين اتجاه ميزان القوة الحقيقي. قمنا بعمل “نمرة مصرية” بدون الدخول في التفاصيل لم تتعد “شوية لبش” عند السفارة الإسرائيلية قد أختلف مع بعض تفاصيل أحداثها غير أن نتيجتها كانت أن تسابق كبار القادة الصهاينة على إعلان أن السلام مع مصر خيار استراتيجي، ذلك التسابق الذي وإن كان قال المنبطحون أمام نظرية المؤامرة أن ذلك التسابق هو جزء من المؤامرة الكونية التي يديرها مجموعة من البشر في قبو سرّي على أضواء الشموع وأن تلك اللغة الرقيقة من الصهاينة هي محض ادعاء فنرد عليهم بكلام قال مثله د. عزمي بشارة ونقول أن في السياسة لا يوجد ادّعاء فأنت ما تدّعيه.

لم يكن ليتحقق ذلك إلا حين خرجنا ممتطين أرواحنا شاهرين إيماننا بالله، بوطننا، بأنه لا نصف حياة، فالحياة إما أن تكون حياة بحرية .. بعدل .. بكرامة وإما أن تكون لا حياة.

نحن منتصرون، ومتقدّمون نسير بل نعدو صاعدين، ننكفئ على وجوههنا فتقيمنا مرة أخرى عناية الله طالما اقتفيناها، ركونًا إلى قدرة خالق رحيم بعباده المقتفين ركونًا غير مقعد عن العمل بل محفّزا له، متجاوزًا لمحاولات القائمين على إدارة شؤون البلاد أن يغرقونا في التفاصيل إغراقا يعظم أمام أعيننا أمورا صغارا تعمينا عن رؤية صورة مجملة بديعة تحفّز على العمل على التفاصيل.

الإحباط واليأس يكون لمن تعلّق بالنتائج لا بالسعي، يكون لمن تعلّق بالدولة لا بالوطن، يكون لمن تعلّق بالوسائل لا بالمقاصد.

وأنسحب هنا لأفسح المجال لأستاذ أساتذتي علي عزت بيجوفتش وأقتبس من كلامه البديع عن التسليم لله من كتاب الإسلام بين الشرق والغرب حيث يقول رحمه الله:

“من المؤكد أن واجب الإنسان هو أن يبذل جهده لتحسين كل شيء في هذا العالم بمقدوره أن يحسّنه. ومع ذلك، فسيظل أطفال يموتون بطريقة مأساوية حتى في أكثر المجتمعات كمالا. والإنسان على أحسن الفروض قد يستطيع أن يقلل من كم المعاناة في هذا العالم. ومع ذلك، سيبقى الظلم والألم مستمرين، ومهما كانا محدودين، فلن يتوقفا عن أن يكونا سببا للتجديف والانحراف … التسليم لله أو التمرّد – إجابتان مختلفتان للسؤال نفسه.

الاعتراف بالقدر، استجابة مثيرة للقضية الإنسانية الكبيرة التي تنطوي في جوهرها على المعاناة التي لا مردّ لها .. إنه اعتراف بالحياة على ما هي عليه، وقرار واع بالتحمّل والصمود والتجمّل بالصبر.

ذلك لأن التسليم لله هو ضوء يانع يخترق التشاؤم ويتجاوزه”.

قد تكون الصورة ضبابية ولا نعرف ماذا نعمل، ولكن المهم أن نعمل، وبالثقة والأمل ومن قبلهم التوكّل على الله والإخلاض له نستدلّ على ما نفعل. ونضع أمام أعيننا قول الشيخ أحمد بن عطاء الله السكندري: “من علامة الاعتماد العمل: نقصان الرجاء عند وجود الزلل”.

 

JoomShaper