الشيخ. علي بن مختار بن محمد بن محفوظ
ربط المولى سبحانه وتعالى المسلمين بركن الحج؛ ليحققوا مجموعة من الفوائد، و ليحصلوا على عدة منافع، وليكتسبوا دروسا عديدة ومواعظ كثيرة، ومن أهم الدروس التي نتعلمها من فريضة الحج: هو درس الاستسلام، ولا ينتفع به الحجاج وحدهم؛ لأنهم يطبقونه عمليا، بعد أن يفهموه نظريا، بل هو أيضا درس لجميع المسلمين، فكل مسلم إذا استحضر أعمال الحج، أو شاهد الحجاج أثناء تأدية المناسك فسوف يتسائل لماذا يطوفون بهذه الأحجار؟ أو لماذا يقبلون هذا الحجر؟ أو لماذا يرمون الجمرات عند هذا المكان؟ ولماذا يلبس الرجال أو الذكور هذه الملابس؟ وإذا حاول كل مسلم أن يتدبر مع الحجاج هذه الشعائر لوصل لدروس كثيرة، ولتعلم مواعظ عديدة، وبذلك يقوى إيمانه، وتزداد قناعاته، ويترسخ اليقين في قلبه أن هذا الإسلام من عند الله رب العالمين؛ وذلك نظرا لاشتمال الحج على منافع كثيرة، ودروس عديدة.
التفتيش عن الحكمة:
والمسلم الحق هو المستسلم لأوامر الله تعالى، المنفذ لها دون معرفة الحكم، أو التفتيش في الأسباب، أو البحث عن العلل، أو دون اقتناع تام للعقل، الذي اقتنع وفكر وتدبر، قبل ذلك، واختار هذا الدين بإرادته، وسار على هذا المنهج باختياره، ودون ضغط من أحد :"لا إكراه في الدين" سورة البقرة، فقد سأل وتبين واختار هذه العقيدة، وسأل واستفسر عن أمور العقائد والإيمانيات والغيبيات، وعلم فيها الحكم وتعرف على الأسرار، فلما يدخل في التفصيلات ويتعلم العبادات؛ فعليه أن يهتم بالاستسلام والانقياد سواء، ظهرت له الحـِكم أم لا، وسواء اقتنع بفعل هذه الأنساك أو تلك العبادات أم لا، وهكذا هو المسلم يستسلم لأوامر الله، وإن كان بعض العلماء قد تتبع كافة الأحكام واستخرج منها الحـِكم، وتعرف على العلل.
وإن كانت العلل التامَّة للأحكام الشَّرعيَّة، والأسباب الكاملة التي تكمن وراء تشريعها، لا يعلمها إلا الله تعالى، ذلك لأن العقول البشرية تعتبر قاصرة عن إدراكها، إلاَّ أنَّ هناك بعض الآثار المترتبة على هذه الأحكام، مثل الأمور العامة كحصول المصالح، وتجنب المفاسد، والتي قد تُدركها بعض العقول، وتردك الحكمة من وراء تحريم هذا الفعل، أو وجوب هذا الأمر.
مع أنَ في الأحكام الشَّرعيَّة منافع في الدنيا والآخرة، وتعود بالفائدة على الإنسان فالله عزَّ وجلَّ، لا ينتفع بطاعتنا، ولا تضرُّه معاصينا.

الطواف وجعل البيت على يسار الطائفين
ثم لا بد أن يتدبر العبد في أن كل تكليف له حكمة، قد يعلمها الإنسان، وقد لا يصل علمه إليها إلا بعد سنوات، فمثلا لماذا يطوف الحجاج والمعتمرون ويجعلون البيت على يسارهم، بدلا من اليمين؟ هذه سؤال لم يشغل بال غالبية الطائفين في القديم، لكن تفكر فيه بعض المتأملين في الزمن الحديث، وأجرى عليه الأبحاث، وأخضع ذلك للتجارب العملية بأن جعل الطلاب (طلاب الكلية الحربية في القاهرة) يدورون في الملعب على جهة اليمين بدلا من اليسار؛ فخروا بعد فترة وجيزة، و بعد طول بحث وجد الباحثون أن هذا له ارتباط بدوران الدورة الدموية في الجسم، وانسجام الإنسان مع دوران الكواكب في الفلك. (ونشر بحث بهذا في مؤتمر الإعجاز العلمي للقرآن الكريم). فهل نتوقف عن الطواف على اليسار حتى نعرف الحكمة منه؟

مثال آخر في رمي الجمرات: فالحاجَّ حين يجمع الجمرات وهي حصيّات صغيرات، ويرمي بها على موضع معيَّن، فإنه يجب أن يستحضر أنَّ هذا الفعل ليس عبثًا، وليس خاليًا من الحكمة والأسباب، وأنَّ العقول لا تدرك تلك الأسباب والعلل التامَّة، إلَّا أنها تدرك بعضًا من الحكمة والآثار المترتبة على هذه الطاعات، وذلك لو وقفت وقفة تأمُّل وتمعُّن، فحيث إنّ هذا الفعل يعود بالنفع على الإنسان نفسه في الدنيا قبل الآخرة، فمن الطبيعي جدًّا أن يتلمَّس هذا الإنسان بعض الآثار على حياته العمليَّة في الدنيا، ولكن بشرط أن يتأمل ويتدبر، فهذا النسك له دروس، ويتعلق به حكم وأسرار، فضلا عن أن فيه تقليد واقتداء بأبي الأنبياء سيدنا إبراهيم وبابنه إسماعيل، وبأم إسماعيل عليهم السلام حيث نجحوا في رجم الشيطان لما وسوس لهم، وحاول أن يصرفهم عن تنفيذ أمر الله في ذبح الأب لابنه، ونعرف جميعا نتيجة نجاحهم في هذا الاختبار أن الله تعالى فدا الابن المستسلم لأم الله، بكبش عظيم، وصارت سنة للمسلمين يوم العاشر من الحجة، وسمي يوم العيد من أجلها بعيد الأضحى.

فهنا يأتي أهمية درس الاستسلام، ويتعلَّم العبد أن ينصاع إلى أمر مولاه حتى لو لم يُدرك علَّة الأمر أو سببه، وهذا في الحقيقة أساس التسليم المطلق الذي يبتني عليه دين الإسلام.
فمن الذي يستطيع أن يفهم العلَّة التامة من هذا النسك، أو الأسباب الكامنة وراء رمي الجمرات، أو  الطواف، والسعي، وجميع المناسك؟! لا أحد يمكنه ذلك، بل إنَّ أكثر الناس تخفى عليهم حتى الحكم والآثار العميقة، فعامة الناس قد يتفهَّمون الأمر بالزكاة ـ مثلًا - لمساعدة الفقراء، ولكن توجد حكم أخر عديدة للزكاة كثلا لا يعقلها إلا العالمون، ولكن كثيرا من الناس لا يتفهَّمون مناسك الحج، لذلك يتلمَّس العلماء الحكم بعد ربطها بالتاريخ لمعرفة أسبابها، ولكي ننجح  في الاستسلام والتسليم لأوامر الله تعالى والانقياد والاتباع لسنة نبيه صلى الله عليه وسلم لابد من  الوقوف مع أجزاء من قصة  أبي إبراهيم عليه السلام، لنتعلم درس الاستسلام.


أبو الأنبياء والاستسلام:
وأهم هذه الدروس هو درس الاستسلام، والذي نتعلمه من أبي الأنبياء، إبراهيم عليه السلام وهو الذي أطلق علينا هذه التسمية، أي سمانا بالمسلمين والتي فيها معنى الاستسلام لأمر الله تعالى، والانقياد لأوامره، قال الله تعالى: "مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ" (سورة الحج: من الآية 78).
ولم يكتف أبو الأنبياء بالتسمية فقط،  بل قدم من نفسه القدوة في كيفية الاستسلام، وأوضح لنا الصورة النموذجية لمعنى الإسلام القائم على الاستسلام لأمر الله، ليرسخ عندنا اليقين بأن الخير كله والعز كله في التسليم المطلق لله رب العالمين، الذي له الخلق والأمر: "إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ"  سورة البقرة 131.
إن خليل الرحمن إبراهيم لم يستسلم بلسانه فقط، بل بكل كيانه، وضرب على ذلك أروع الأمثلة من نفسه، ثم من بقية عائلته، فحين أمره الله تعالى أن يأخذ ولده إسماعيل الرضيع، ومعه زوجته إلى أرض صحراء موحشة، لا زرع فيها ولا ضرع، ولا وجود لأسباب الحياة فيها، فلم يراجع في الأمر، ولم يجادل، بل نفَّذ الأمرَ بصدر رحب، وبإيمان قوي، وثقة في أن الخير كله في تنفيذ أوامر الله تعالى، وفي الاستسلام لما يطلب، فسار بهاجر وَبِابْنِهَا إِسْمَاعِيلَ وتركهما حيث أمره الله، ولم يلتفت إليها حتى لا يضعف، ولم يرد على أسئلتها المتكررة، بل رد حين طرحت عليه سؤالا واحد: آلله أمرك بهذا؟ فقال نعم، ثم انصرف ولكنه لجأ إلى الله تعالى بلسان صادق وقلب حاضر، وتوجه إليه بإخلاص ثم دعا ربه فقال: "رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ" سورة إبراهيم،
ومن لين الاستسلام، وطواعية الانقياد، أو من قوة الإيمان مع حسن التوكل نجده يدعو الله تعالى لذريته مبتدئا ومهتما أولا بعبادتهم، وبإقامتهم الصلاة، ثم الدعاء الثاني بأن تهوى القلوب، وتحب الأفئدة  وتهفو النفوس الحضور لهذا المكان، ثم يتذكر الأرزاق والأغذية في ختام الدعوة، وليكون الهدف منها الوصول لشكر الله على عظيم نعمه.
أم إسماعيل ودرس الاستسلام:
وقد كانت أم إسماعيل (هاجر) على نفس المستوى من اليقين، حين طرحت هذا السؤال بعد كثرة الإلحاح، وأبو الأنبياء لا يلتفت إليها: فقَالَتْ لَهُ بلغة الواثقة فيما عند الله، والمستسلمة لأوامر الله، والمتوكلة على الله، قالت: آللهُ الَّذِى أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَتْ: إِذًا لاَ يُضَيِّعُنَا.
فهذا درس عظيم في حسن طاعة الزوجة لزوجها، واستسلامها لأمر ربها، لما علمت أنه سبحانه أمر زوجها بهذا، فأحسنت التوكل على الله وأيقنت أنها لن تضيع هي وطفلها في هذا المكان الموحش، فإن الله معهما، ولذا قالت بلغة الواثق من قدرة الله تعالى على كل شيء : "إذن لن يضيعنا " بعد ما سألت زوجها (إبراهيم) هذا السؤال: "آالله أمرك بهذا"، وببركة هذا الاستسلام فجر الله في هذا المكان بئر زمزم المبارك، وجعله مكاناً آمنا، وها هو الوادي الفقير المُقْفر يصير ويتحول ببركة الاستسلام، وبعد الاستجابة لأمر الله ﴿حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ سورة القصص: من الآية 57. بل صارت قلوب الناس تهواه وتحب زيارته، وترتاح نفوسها بعد  أداء هذه الشعائر التي شرعها الإسلام وجاءت متوافقة مع ملة أبي الأنبياء، وهي تقرب المسلم من خالقه وتزيده إيمانا وإحساناً.

وسوف نستكمل دروس الاستسلام في الحج في المرة القادة بإذن الله تعالى.

JoomShaper