د. صابر عبد الدايم
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: ((صَلاةُ الرَّجلِ في جمَاعَةٍ تَزيدُ عَلَى صَلاتهِ في سُوقِهِ وبيتهِ بضْعاً وعِشرِينَ دَرَجَةً، وَذَلِكَ أنَّ أَحدَهُمْ إذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الوُضوءَ، ثُمَّ أَتَى المَسْجِدَ لا يُرِيدُ إلاَّ الصَّلاةَ، لاَ يَنْهَزُهُ إِلاَّ الصَلاةُ: لَمْ يَخْطُ خُطْوَةً إلاَّ رُفِعَ لَهُ بِهَا دَرجَةٌ، وَ حُطَّ عَنْهُ بها خَطِيئَةٌ حَتَّى يَدْخُلَ المَسْجِدَ، فإِذا دَخَلَ المَسْجِدَ كَانَ في الصَّلاةِ مَا كَانَتِ الصَّلاةُ هِي تَحبسُهُ، وَالمَلائِكَةُ يُصَلُّونَ عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ في مَجْلِسِهِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ، يَقُولُونَ: اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيهِ، مَا لَم يُؤْذِ فيه، مَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ)) متفق عليه، وهذا لفظ مسلم "ينهزه" هو بفتح الياء والهاء وبالزاي: أي يخرجه وينهضه.
وبعد هذا الإجمال الذي أوضحناه في الحلقة الأولى، يفصل حديث النبي صلي الله عله وسلم الأمر، ويزيده وضوحا وترغيبا، ويسوق هذا التوضيح في أسلوب القصة، وهي طريقة فيها إرشاد للمسلم وتعليم له لكيفية الذهاب إلى المسجد، والإخلاص في النية، وترك كل مشاغل الحياة أثناء التهيؤ لأداء الصلاة، وعن كيفية الذهاب إلى المسجد يقول عليه الصلاة والسلام: "إذا ثُوِّب بالصلاة فأتوها وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا.. وما فاتكم فأتموا" رواه مسلم.
والجملة الثانية في الحديث الشريف، تمثل كيفية إعداد المسلم نفسه للصلاة، والذهاب إلى المسجد، وترك الصلاة في البيت والسوق.
وقد تكرر لفظ "المسجد" ثلاث مرات، وذلك ليس إطنابا، ولا إسهابا، ولكن هذا التكرار ينبئ عن تلذذ اللسان بذكر لفظ المسجد تعلقا به، وحبا للصلاة فيه، وكذلك لينبه القارئ والسامع بأفضلية الصلاة في المساجد، وكذلك لأن مادة "سجد" تفيد معنى الخشوع والخضوع والطاعة. وهي صفات يتحلى بها المؤمن في عبادته وعلاقته بربه عز وجل.
ولفظ "ذلك" ليس للإشارة ولكنه للتعليل، حيث يعلل المصطفى صلى الله عليه وسلم أفضلية الصلاة في المسجد، وهي لابد لها من مقدمات وحيثيات.
وأداة الشرط "إذا" تفيد التحقيق، وفعل الشرط متحقق وهو توضأ فأحسن الوضوء، وجواب الشرط متحقق كذلك وهو الثواب المضاعف المتمثل في رفع الدرجات، ومحو الخطايا؛ وما أجمل هذا الأسلوب النبوي في الترغيب، والإرشاد إلى الطريق الأمثل، والاستعداد الجميل لأداء الصلوات.
وجمال هذا الأسلوب يكمن في أنه عليه الصلاة والسلام لم يقدم تعليماته وإرشاداته في جمل وأساليب آمرة، وتعاليم جافة، ولكنه وهو "الذي لا ينطق عن الهوى" يتمثل قول الله عز وجل ويستجيب لهذه الدعوة الإلهية: "ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ" من الآية 125 سورة النحل.
ومجئ الفاء أداة للعطف في قوله:"إذا توضأ فأحسن الوضوء" يرشد إلى المتابعة وعدم التمهل في الاستعداد والنظافة والتهيؤ للصلاة، وجاء التعبير بـ"ثم" في قوله "ثم أتى إلى المسجد" لينبئ عن السكينة التي أمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الذهاب إلى الصلاة في قوله:"إذا ثُوِّب بالصلاة فأتوها وعليكم السكينة".
وتنبيها إلى أن هذه الحركة نحو الصلاة يجب أن يصاحبها الإخلاص في النية، وعدم الانشغال بالأموال والأولاد، أو أي مشاغل أخرى يقول عليه الصلاة والسلام "لا ينهزه إلا الصلاة" أي لا يشغله إلا الصلاة، وهذا الإخلاص ثمرته تعود عليه في كل مراحل طاعته، سواء أكان جالسا في المسجد أم مصليا.
والإشارة إلى الإخلاص في النية مرة أخرى يتمثل في ختام الجزء الثاني من الحديث الشريف، وهي إشارة بليغة حيث صور المصلي وهو فارغ البال من كل شواغل الدنيا ما عدا الصلاة بأن الصلاة تحبسه، أي أنه محاط بأسوارها الإيمانية، وجدرانها المعنوية، وستائرها الرضوانية.
وإفادة العموم في الثواب ومضاعفة الأجر. تتجلى في هذا الطباق بين "اللفظين" رفع، وحط وهما فعلان متضادان في الدلالة، ولكنهما متحدان في البناء للمجهول، والذي يرفع الدرجات ويحط الخطايا لا يحتاج إلى تعريف؛ لأنه هو الذي يعلم السر وأخفى، وإنه الخلاق العليم رب العالمين.
وما أعظم هذا الأجر الذي ينتظر ذلك المصلي الذي أخلص نيته لله، وارتياد المساجد، مصليا، ومعتكفا، وداعيا ومستغفرا، إن هذا الأجر يتضاعف إلى سبع وعشرين درجة أو خمس وعشرين، وقيل إن السبع مختص بالجهرية، والخمس بالسرية.
ومع هذا الأجر المضاعف تستغفر الملائكة، وتدعو لذلك المؤمن الذي دخل المسجد. وصلى ثم جلس داعيا ومستغفرا.. وتدعو الملائكة له بالرحمة والمغفرة والتوبة.
وفي الحديث تنبيه إلى آداب الجلوس في المسجد، وهي كثيرة متعددة ولكن المصطفى صلى الله عليه وسلم أجمل هذه الآداب في جملة قصيرة مكثفة قليل لفظها، وكثير معناها وهي "ما لم يؤذ"، وفي رواية "لم يحدث فيه"، وقد جمع الحديث هنا بين الروايتين.
فالجالس في المسجد لا يؤذي غيره ولا يؤذي نفسه، ولا يرتكب ما ينقض الوضوء، أو يقدح في شخصيته، فيبتعد عن الغيبة والنميمة والكذب والنفاق وغير ذلك.
وقيل: قد تأول أكثر العلماء الأذى بالغيبة والضرب، والجملة على الرغم من اختصارها في فعلين هما "يؤذي ويحدث" فإنها تتسع لكثير من السلوكيات التي تدور في حقلين لغويين هما "الأذى والحدث"، وهذان الفعلان لا يلقيان بالمؤمن الذي تستغفر له الملائكة، وتدعو له بالرحمة والمغفرة والتوبة، فقد روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم، وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي، فيقولون: تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهو يصلون"متفق عليه.
جمالية الأسلوب في حديث صلاة الجماعة (2من 2)
- التفاصيل