الحمد لله خالق الزمان، ومقلب الأيام، من لا يرد عليه تعاقب الجديدان، والصلاة والسلام على سيد الإنس والجان، الهادي للجنان، وعلى آله وصحبه أفضل الخلق من إنسان، وخير من تخلق بالقرآن، وعلى أتباعه إلى يوم تبدل الأرض غير الأرض ويختل نظام الأكوان ، وبعد:
تمر بنا الأيام تترا وإننـــا             نساق إلى الآجال والعين تنظر
فلا عاد ذاك الزمان السعيد             ولا ولّى هذا المشيب المكدر
وتمضي بنا الايام ، نستقبل يوما ونودع آخر وهكذا تنقضي الأعوام ، تفنى وتفني معها حياة الإنسان ، بل أعضاءه وأجزاءه، ولله در الحسن البصري حين قال: يابن آدم إنما أيامك أعضاؤك تتساقط يوماً يوماً حتى لا يبقى فيك عضو أبداً  ا.هـ
فما أسرع ما تنقضي بنا الحياة ، وما أعجل عجلة الزمان ، وما أعجب شأن الإنسان ، يغتر بالحاضر من الأيام ، بطول أمل وتناسي للماضي من الزمان ، وما ذاك إلا لشغفه بعاجل حظه لما أوتي في الدنيا الفانية ، وقلة تعلقه بما يعقبها من الحياة الباقية ، وغياب فكره وتدبره بل تعاميه عن جلية حقيقة إعطاء الله الدنيا لحبه ومبغضه، وقصر هبته الإيمان – العائد فائدته على صاحبه في الآخرة – على حبه بل اختصاصه به ، وصدوده عن الحق المتأتي باتّباعه الهوى لإغراقه في ملذات ما حفت به النار وتأبّيه الانخراط فيما ينجيه يوم تخاصم الفجار حيث لا مناص ولا فرار .

ولكن العاقل من أخذ من أمسه لغده وجعل من يومه انطلاقة لمستقبل جديد، يستشرف فيه ما خلف له أجداده من ماضٍ مجيد، لا على طريقة التفاخر والاستذكار ، بل على سبيل الاضافة والتعايش والاستحضار

فشر الناس ذو عز قديـمٍ               إذا خاطبتهم ذكروا الجدود

وخير الناس ذو مجد تليد               أضافوا لمجدهم عزا جديـدا

فاجعل من عامك هذا انطلاقة للتغيير ، تغير نفسك عما انتهت إليه من مآلات غير مرضية عند من قرأ في سيرة خير البشر، وطالع ما كتب أهل الحديث والخبر، ونظر في أحوال السابقين فأخذ منها العظات والعبر ، فعلم كيف تكون حياة العزيز واقتفى الأثر.

واحرص على تغيير نفسك ضمن أربعة محاور ، عليها مدار استقامة الإنسان عند الناظر ، وصلاح حاله بإقرار المخاصم المناظر ، وهي على إجمال دون تفصيل:

(أ): تغيير تجاه الذات ، بمحاربة الملذات ، ومجافات ما تطلبه النفس من إتيان الشهوات ، وبعد عن مقارفة المعاصي والذنوب وغير ذلك من الزلات ، والإقدام على الله بالمتروك من العامة من طاعات، كالقيام والذكر والتبرع والصوم والإمساك عن مطلق اللذات ، وسلوك طريق الاستقامة بدوام  المراقبة للذات، واستشعار قرب جامع الكمالات، المؤدي للاستحياء منه في كل الأوقات، وخوفه على قدر قدرته وشكره على قدر إجزاله في الإنعام بألوان الأعطيات ، والنظر إلى أهل طاعته بعين الإكبار والتقدير وتقليدهم فيما يأتون من طاعات ، والنظر الى أهل المعصية بعين القالي لما يأتون من محرمات ، المتجنب الخوض معهم فيما يتسامرون به من مقالات ، وسرعة الرجوع الى الله بالتوبة والندم على ما يقع منه من إفراطات ، قد تحول بينه وبين التغير القائد الى رقي المقامات ، واعلم أن التغيير تجاه الذات هو العمدة في التغيير ، والأساس الذي ينبني عليه غيره من التغييرات .

(ب): تغيير تجاه الأهل ، بطاعة الوالدين أصحاب الفضل ، وتأدية حقوق الإخوة وإعانتهم بشتى أمورهم الصعب منها والسهل ، وصلة الرحم وإن كان منهم العضل  ، وخص محتاجيهم بشتى أنواع الوصل، والرفق بالزوجة ومسايرتها ومعاونتها ومشاورتها وحسن عشرتها مع خصها بشيء من النحل ، وإكرام الأبناء باختيار الأسماء، وحسن التأديب والمساواة بينهم في العطاء، دون خص أحدهم بشيء وإن قل.

(ج): تغيير تجاه المجتمع ، بأداء النصح لأبنائه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في كل مجمع، ورد كل سوء عنه مزمع ، ورفع كلمة الحق فيه على كل مسمع ، والإحسان لكل من جاور فيه وعاش دون أي غرض أو مطمع .

واعلم أن الواجب الأكبر في التغيير تجاه المجتمع كامن بمعرفة حقوق الجيران والإخوان ، ومبادرتهم بإيفائها لهم ، وتلمس حاجاتهم دون سؤال منهم ، والنظر إلى ما كان بين رفقاء الرسول صلى الله عليه وسلم الأصحاب ، ومحاكاته مع من رافقت من الأصدقاء والأحباب ، والإحسان إلى الجيران في كل الأحيان ، ومشاركتهم في الأفراح والأحزان .

(د): تغيير تجاه الأمة، بإعداد النشأ وتربيتهم وفق ما جاء في الكتاب والسنة ، وذكر المجاهدين القائمين على نصرة الدين في كل محنة ، بالدعاء والإمداد بالعدة والعتاد دون فضل أو منة، وذكرهم في الخلوات والجلوات وسائر الأوقات، وتبصرة سائر الناس بما لهم من مقدسات مضيعة ، وما يحاك حولها من مؤامرات متزيية بأجمل الكلمات الملمعة ، وبالآيات والأحاديث مرصعة ؛ لكي لا يخدع بها المغتر بلامع السراب ؛ لقلة ما أوتي من الحكمة وفصل الخطاب ، والدعاء للأمة بصلاح الأمر ، والغلبة في كل وقت والنصر ،  والحفظ من كل سوء محيط وشر.

واعلم أخي في الله أن التغيير ينبغي أن يسبق بالرجوع إلى الله بتجديد العهد على الطاعة والعبادة ، والأوب والتوب عند كل تفريط دون أن يكون ذلك منك عادة، على طريق التخلية قبل التحلية المقرر من أهل  الطريقة السادة .

واجعل لنفسك في أول عامك هذا هدفاً واضح المعالم ، واسلك طريقك نحوه دون الالتفات لما حولك من العوالم، بخطاً ثابتة دون الانشغال بما يفرقك عن سبيلك وإن عد من المكارم ، واستعن بالله قبل الولوج بأي شيء من هذا ، فهو بالسؤال أولى وبالإعانة أجدى وأوفى.

JoomShaper