لها أون لاين
لمّا (قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ) (سورة الشعراء :61) قال لهم موسى عليه السلام : (كَلَّا إِن َّمَعِي َرَبِّي سَيَهْدِينِ) (الشعراء:62).
في هاتين الآيتين تتجلى حقائق التوكل على الله سبحانه والثقة بنصره، أو الاعتماد على الأسباب المادية والركون إليها. ركن أصحاب موسى إلى الأسباب المادية فهربوا من فرعون وبطشه إلى أن اعترضهم البحر، فانتهت حيلتهم وأسقط في أيديهم، وسار موسى بقومه متوكلاً على الله واثقاً من نصره (أَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً إِنّكُم مّتّبَعُونَ* وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً إِنّهُمْ جُندٌ مّغْرَقُونَ) (الدخان :24,23).
النصر متحقق لا محالة لمن اتبع شرع الله، وسار على أوامره دون تلكؤٍ أو تردد، وليس مطلوباً منه جمع كل آلة النصر وعدة الحرب كاملة، بل كما قال الله عزّ و جل: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ) (الأنفال :60).
إن فعل موسى عليه السلام وامتثاله لأمر ربه دون مناقشة تفاصيل الماديات - التي يركن إليها البشر غالباً – تضمن أخذه بالأسباب المستطاعة (السير ليلاً والهرب متخفياً)، والتوكل على الله بأن اتجه صوب الماء وهو يدرك أن لا مجال لعبوره ممتثلاً أمر ربه مستشعراَ وعد الله عزّ وجلّ: (كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) (المجادلة :21) موقناً بـ (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَاد) (غافر :51).
قصة موسى عليه السلام مع قومه ومع فرعون مليئة بأحداث وعبر، بدءاً من مولده في زمن (سنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَ نَستَحْىِ نِساءَهُمْ وَ إِنَّا فَوْقَهُمْ قَهِرُونَ) (الأعراف : 127) مروراً بمرحلة (رَبّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْت إِلَيَّ مِنْ خَيْر فَقِير ) (القصص :24) ثم الامتثال لحظة اليأس (اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ) ( الشعراء : 63) إلى حين قوله عليه السلام: (إِنَّ هَؤُلاَءِ مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) (الأعراف :139) أحداث تتكرر عبر الزمن ولكن بطريقة تختلف يسيراً من جيل إلى جيل ومن أمة إلى أمة، ولكن العبرة فيها واحدة لا تتبدل؛ ولذا قال صلى الله عليه وسلم: (فنحن أحق وأولى بموسى منكم) (رواه مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما).
إن بني إسرائيل لم يعتبروا من تلك الأحداث التي رأوها مع نبيهم موسى عليه السلام وكيف هيأ الله سبحانه لموسى أسباب النصر والنجاة من فرعون، فنحن أحق أن نعتبر من تلك الأحداث ونوقن بأن الله ناصرٌ دينه ومعلياً كلمته ومعزٌ من أطاعه واتبع أمره. وفي المقابل فهو سبحانه قامعٌ أعداءه مزهقٌ باطلهم ومذلٌ من عصاه وخالف أمره.
لندرك حقيقةً لا تقبل الجدل: إذا أراد الله شيئاً هيأ أسبابه؛ هذه الحقيقة تتماشى مع ضعف العقل البشري، وتؤكد القدرة الإلهية، فالبشر بطبيعتهم يركنون إلى الأسباب المادية، ولكن الوحي يربطهم بمسبب تلك الأسباب؛ كم نحن بحاجة في هذا الزمن الذي يموج بالفتن وتختلف فيه الرؤى والآراء أن نمتثل أمر الله بتطبيق شرعه وامتثال أمره، ونَكِلَ النتائج إلى الله سبحانه بعد أن نعذر إليه بأداء ما افترض علينا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبيان الحق والصدع به، فنحن مكلفون بالبيان والتوضيح لا بالهداية والتعديل (وَإِذَ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) (الأعراف : 164).
لنتفكر فيما بذله فرعون من السطوة والقوة؛ في محاولة لمنع سقوط ملكه على يد رجل من بني إسرائيل، فخذلته قوته وسقط سلطانه ولم ينفعه حذره، وما فعله موسى بضرب البحر بعصى في لحظة ضعف و يأس وانقطاع من كل أسباب الأرض لتنقلب موازين الكون ونواميس الطبيعة؛ ليتحقق وعد الله بالنصر والتمكين، (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ)(القصص 4،3).
عاشوراء .. الوعد بالنصر والتمكين
- التفاصيل