أيها الإخوة الأحبة..
ما الذي أدخل السرور على الصحابية الجليلة “أم سليم” بنت ملحان رضي الله عنهما في هذه الليلة, حتى قامت تتزين كأنها ليلة زفافها, وهي التي لم تمضٍ سوى سويعاتٍ قليلة على وفاة صبي لها؟!
أي تناقضٍ هذا الذي تفعله “أم سليم” في مثل هذه الظروف؟! أليس من المفروض أن يكون الحزن والبكاء ولطم الخدود هو الذي يخيم عليها, ويحوم فوق رأسها؟! فكيف بها تتهيأ وتتزين كأن الموت لا يعنيها, وكأن ولدها في أتم الصحة والعافية؟!
ولمن تفعل كل ذلك ولمن تتزين, وهي الحصان الرزان التي لا تعاب بريبةٍ, ولا يشار إليها بالشك, ولا يطعن أحدٌ بإخلاصها وصدقها وإيمانها, منذ أن أعلنت إسلامها, وآمنت بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم؟!
لك الله يا أم سليمٍ على هذا الخلق المحلى بالصبر والتجلد, على الرغم من مصيبة فقد الولد في مثل هذا العمر.. بعد أنْ كان يملاُ عليك البيت سروراً وحبوراً, وأنت تدللينه وتلعبينه بطائرٍ له صغير يقال له (النغير).. يوم دخل عليك النبي صلى الله عليه وسلم يوماً فوجده حزيناً يبكي, فسألك : ما شأنه؟ فقلت : لقد مات طائره النغير فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ممازحاً ومداعباً وهو يكنيه بقوله : “يا أبا عمير, ما فعل النغير”؟ لك الله على هذا التصبر والتجلد يا أم سليم على هذا المصاب الجلل الذي تتهاوى أمامه كثير من النساء, بل حتى الرجال, فيلطمن الخدود ويشققن الجيوب, ويقلن ما لا يرضي الله…
فكيف قدرت على التزين, وضبط النفس كأن شيئاً لمن يكن؟! سبحان الذي ألهمك الصبر والسلوان, وأرخى عليك ستر الرضى والإيمان, حتى كنت خير زوجة لزوجها.. تعرفين كيف تقومين بحقوقه وواجباته… وكيف تمتصين الصدمة من فؤاده, وتنتزعين الرضا من لسانه, حتى يكون من الراضين, وعلى ملائه من الحامين!!
أمن أجل زوجك إذن كانت تلك الزينة, وذاك الاهتمام في تلك الليلة الحزينة؟! هيا بنا أيها الإخوة الأحبة نطل معاً عبر نافذة التاريخ إلى ذلك المشهد الذي يملأ بيت أم سليم وقد غاب عنها زوجها “أبو طلحة الأنصاري” الذي تزوجته بعد زوجها مالك النضر الذي كان زوجها في الجاهلية, فولدت منه أنس بن مالك رضي الله عنه ثم أسلمت مع السابقين إلى الإسلام من الأنصار, فغضب منها وخرج إلى الشام فمات هناك فتزوجت بعده أبا طلحة رضي الله عنه لما عرض عليها نفسه ليخبطها, فقالت له : يا أبا طلحة ما مثلك يرد ولكنك امرؤٌ كافر لا تحل لي!! فظن أنها تريد الأصفر والأحمر من الدنيا فقالت له موضحةً وهي المرأة المؤمنة الواثقة بربها : يا أبا طلحة ألست تعلم أن إلهك الذي تعبد من نبات الأرض؟!
قال : بلى قالت : أفلا تستحي أن تعبد شجرة؟ يا أبا طلحة : لئن أسلمت, فإني لا أريد منك صداقاً غيرهٌ!! فقال النبي عليه الصلاة والسلام لأنس بن مالك : يا أنس قم فزوج أبا طلحة فزوجه لأمه أم سليم فولدت له غلاماً كناه النبي صلى الله عليه وسلم “بأبي عمير” فلما كبر ودرج وأعجب به أبوه اشتكى يوماً ومرض مرضاً شديداً ثم مات وأبوه خارج البيت فقالت أم سليم لأهلها : لا تحدثوا أبا طلحة بموت ابنه, حتى أكون أنا الذي أحدثه فلما عاد رضي الله عنه ودخل البيت سأل زوجه أم سليم عن حالٍ الغلام فقالت : قد هدأت نفسه وأرجو أن يكون قد استراح وظن أبو طلحة أنها صادقة – وهي صادقة – لكن على غير ظن أبي طلحة ثم إنها قامت فقدمت له عشاءً فأكل وشرب ثم قامت فهيأت نفسها وتصنعت وتزينت أحسن ما كانت تصنع قبل ذلك فوقع بها فلما رأت أنه قد شبع وأصاب منها قالت : يا أبا طلحة أرأيت لو أن قوماً أعاروا عاريتهم أهل بيت, فطلبوا عاريتهم, ألهم أن يمنعوهم؟ قال : لا . قالت : فأحتسب ابنك قال : فغضب ثم قال لها تركتني حتى تلطخت ثم أخبرتني بابني فانطلق حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بما كان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : بارك لكما في ليلتكما “والذي بعثني بالحق .. لقد قذف الله تبارك وتعالى رحمها ذكراً لصبرها على ولدها” فولدت غلاماً فأخذه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فحنكه بتمراتٍ وسماه عبدالله ودعا له أن يجعله الله براً تقياً قال رجلٌ من الأنصار : لقد رأيت لهما تسعة أولادٍ كلهم قد قرأ القرآن.
أرأيتم ايها الإخوة الأحبة كيف تكون ثمرات الصبر على البلاء؟! أرأيتم كيف كان موقف هذه المرأة الصحابية المؤمنة عند فقد ولها؟! لم تجزع ولم تشق ثوباً أو جيباً ولم تحث التراب على رأسها بل صبرت واحتسبت حتى عوضها الله خيراً مما فقدت, وأكرمها وبارك لها في ذريتها…
وصابرٍ تلهج الدنيا بنكبته تخاله من جميل الصبر ما نُكبا
إنه الصبر الجميل إنه نصف الإيمان “إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب”
يقول عبدالله بن مسعود رضي الله عنه : الإيمان نصفان : نصف صبرٌ ونصفٌ شكر.. ولهذا جمع الله سبحانه وتعالى بين الصبر والشكر فقال : “إن في ذلك لآياتٍ لكل صبار شكور”.. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : ألا إن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد فإذا قطع الرأس بار الجسم ثم رفع صوته قائلاً : ألا أنه لا إيمان لمن لا صبر له وقال عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه : “ما أنعم الله على عبدٍ نعمةً فانتزعها منه, فعاضه مكانها الصبر إلا كان ما عرضه خيراً مما انتزعه”
وأصيب العارف بالله مطرف بن عبدالله بابنٍ له فأتاه قومه يعزونه فخرج إليهم أحسن ما كان هيأة وبشراً ثم قال : إني لأستحي من الله أن أتضعضع لمصيبة وأعظم الصبر أيها الإخوة الأحبة, هو الصبر عند الصدمة الأولى كما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم يوماً أنه مر على امرأةٍ جاثمةٍ على قبرٍ تبكي ولداً لها, فقال : يا أمة الله اتقي الله واصبري قالت : يا عبدالله لو كنت مصاباً لعذرتني قال : يا أمة الله اتقي الله واصبري قال : يا عبدالله قد سمعت فانصرف فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوقف عندها رجلٌ من أصحابه فقال لها : ما قال لك الرجل الذاهب؟ قالت : قال لي كذا وكذا, وأجبته بكذا وكذا قال : هل تعرفينه؟ قالت : لا قال : ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : فوثبت مسرعةً نحوه حتى انتهت إليه, وهي تقول : أنا أصبر أنا أصبر يا رسول الله!!
فقال عليه الصلاة والسلام : “إنما الصبر عند الصدمة الأولى .. إنما الصبر عند الصدمة الأولى”.
“والعصر إن الإنسان لفي خسر, إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات, وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر”
جعلنا الله وإياكم أيها الإخوة الأحبة من الصابرين المصابرين وعلى نعمه من الشاكرين.. إنه نعم الناصر ونعم المعين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الصبر الجميل
- التفاصيل