تابعت على إحدى القنوات الفضائية خبراً حول نتيجة بحث أجراه عدد من الدارسين المتخصصين ، عمدوا فيه إلى اختبارات طُبّقت على مجموعات من الأشخاص ، ثم إلى دراسة التغيّرات التي تطرأ على الدماغ بواسطة الأجهزة العلمية الحديثة ، وخلصت نتيجة هذا البحث إلى أن الشعور بالذنب يشكل سبباً لتعديل السلوك وتصويبه ، وحافزاً على الإنجاز ، أكثر مما يشكله الأمل والتفاؤل .
لقد أقنعتني النتيجة التي خرج بها هذا البحث ، ليس لأنها قائمة على أساس المنهج العلمي وحسب ، بل لأنها وافقت كذلك فكرة طالما تداعت إلى خلدي ، حول أن استمرار المرء بإلقاء تبعات الخطأ والفشل على الآخر ، أو على الحظ أو القدر أو الصدفة أو العين والحسد ، أو على أي شيء آخر سوى ذاته ، وبالتالي تبرئة نفسه ، والتماس عشرات الأعذار لها ، أقول إن استمرار المرء بذلك من شأنه أن يُريحه من وخز الشعور بالذنب الذي يدفع إلى تعديل السلوك والسعي في الطريق الصحيحة ، فتكون نتيجة عدم الإقرار بالخطأ استمرار الدوران في حلقاته المفرغة ، أما الإحساس بالذنب نتيجة الخطأ أو الفشل ، فيدعو على الأقل إلى نشوء إرادة التصويب ، والبحث عن أسباب الفشل ومحاولة تلافيها. صحيح أن الإفراط في الشعور بالذنب ، أو تحويله إلى حسرة مستمرة ، أو الوقوع ضحية له سواء أكنا مذنبين أم غير مذنبين ، لا بد أن ينعكس سلباً على حياة المرء ، لأنه شعور مبالغ فيه وغير سوي ، ولا يدفع إلى الإنتاج ، بل يستغرق طاقة الشخص ووقته في تلقي سياط الندم ، لكن المطلوب والمقصود هو الإحساس الطبيعي بالذنب الناجم عن تحمّل مسؤولية الخطأ والفشل 0 وصحيح كذلك أن الأمل والتفاؤل ينتجان مشاعر إيجابية محفِّزة ودافعة إلى التصويب والإنجاز ولا غنى عنها بحال من الأحوال ، وغيابها يأتي غالباً بنتائج سلبية ، لكن ها هي الأبحاث والدراسات تثبت أن الإحساس بالذنب أكثر تحفيزاً على البحث عن الصواب وتعديل السلوك وتحقيق الإنجاز .
لقد أتاحت لي طبيعة عملي في المتابعة القانونية للأشخاص الذين تتعثر ديونهم ، وبخاصة ممن يُغرِقون أنفسهم بتلك الديون حتى تحيط بهم ، وتؤثر في حياتهم وحياة أُسرهم بشكل كبير ، وربما فقدوا نتيجتها أملاكهم ، فصارت ديونهم من النوع الذي يُقرن بقهر الرجال الذي نتعوذ بالله منه قائلين (اللهم إني أعوذ بك من غلبة الدين ، وقهر الرجال) ، أتاح لي التعامل مع هؤلاء أن أكتشف صفة تكاد تكون مشتركة بين جميع من تورطوا بالديون على هذا النحو ، وهي أنهم في الغالب الأعم يلقون سبب وتبعة تورطهم هذا على كل شيء ، وأي شيء ، وأي أحد ، سوى أنفسهم ، فهم يلومون الظروف الاقتصادية ، وسياسة الحكومات ، واتجاهات أسواق المال ، وظلم التشريعات ، وسوء الطالع ، والمقدر المكتوب ، وربما لاموا الدائن نفسه لأنه أقرضهم ، لكن أحداً منهم لا يلوم نفسه التي بين جنبيه ، ولا يُحمّلها أية مسؤولية ، فإن لامها فعن طريق امتداحها بالقول مثلاً : أن طيبة قلبه وثقته بالناس قد أدت به إلى ذلك ، دون أن يقر بأخطائه التي جرّته لهذه النتائج 0 ولو أنه كان موضوعياً يعترف بفشله ، ويملك حساسية الشعور بالذنب عند الخطأ ، ربما لم يتورط أصلاً بدين ، فقد كان حوله أشخاص كثر عملوا في نفس الظروف ، لكنهم لم يفشلوا ، أو على الأقل لم يتورطوا بديون لا طاقة لهم على سدادها ، لأنهم لم يستغلوا الدين التجاري فـي مصروفات شخصية ، أو لأنهم أحسنوا تقدير الظروف المحيطة ، أو تصرفوا بحكمة ورشاد .
وعدم الإقرار بالخطأ على هذا النحو ، يشبه حال طالب الثانوية العامة الذي يُخفق في الامتحان ، فلا يترك مبرراً يتعلق بغير شخصه إلا تمسك به وادّعاه ، دون أن يقرّ بأيّ خطأ ارتكبه ، أو يحمل نفسه أية مسؤولية تبعث في ذاته شيئاً من الشعور بالذنب ، فهو يلقي اللوم على المناهج التي يراها عقيمة ، ونظام التوجيهي الذي يجزم بأنه متخلّف ، وأسئلة الامتحان التي كانت من خارج المنهاج ، والأخطاء في التصحيح ، وتشتت الكمبيوتر عند احتسابه للعلامات ، ويفوته تماماً أن نسبة الناجحين الذين تقدموا لنفس الامتحان ضمن نفس الظروف تفوق نسبة الراسبين ، وأن هناك أشخاصاً كالعشرة الأوائل في كل فرع تكاد تداني معدلاتهم العلامة الكاملة ، وأن هناك مئات ربما زادت معدلاتهم عن التسعين 0 ولو أن هذا الطالب إذ أخفق أَقرَّ بمسؤوليته ، وأقرن ذلك بالشعور بالذنب ، لأدرك أخطاءه التي قد تتمثل في عدم تخصيص الوقت الكافي للدراسة ، أو المذاكرة بشكل خاطئ ، أو اختيار فرع في الثانوية لم يكن يناسب قدراته أصلاً ، أو غير ذلك.
ومن الناس من يقرُّ بخطئه ويعترف بمسؤوليته في ظاهر القول ، دون أن يُحسّ بذلك حقيقةً ، ودون يرافق اعترافه هذا شعور بالذنب ، فهو يقرّ بخطئه قولاً من قبيل التظاهر بالفضيلة ، لأنـه يقال أن الاعتراف بالخطأ فضيلة ، دون أن يكون صادقاً في شعوره هذا في قرارة ذاته وأعماق ضميره ، فلا يكون حينئذٍ إقراره باعثاً على تصويب خطئه أو تعديل سلوكه أو إنجاز الأفضل ، أي لا يكون هذا الإقرار الظاهر بالخطأ كافياً ، فحتى التوبة في أحكام الدين ، لا يكفي فيها الإقرار والاستغفار ، وإنما تقتضي الندم وعقد العزم
على عدم تكرار الخطأ .
ومثلما يسود عدم الإقرار بالخطأ والفشل وعدم الإحساس بالذنب نتيجة ذلك على مستوى الأفراد ، يبدو أنه يسود على مستوى المجتمعات والأمم كذلك ، بحيث قد تجد أن اتجاه المجتمع في معظمه ينحو إلى تبرير الفشل والهزيمة والتخلف الاقتصادي والاجتماعي والعلمي والإداري ، بأسباب تخلو من الموضوعية ، وتضع اللوم دائماً على الآخر ، كأننا لسنا مسؤولين عن أوضاعنا ، وكأننا مجرّدون من الإرادة والقدرة على الفعل ، وكأن هذا الآخر هو الذي يملك المبادرة والفعل والتحكم والتأثير ، ولا نملك نحن سوى التلقي , ناهيك عن أساليب مواجهة الفشل والهزيمة والتخلف بكل وسائل الدفاع النفسية الأولية الأخرى ، مثل النكوص للماضي ، واستمرار ممارسة التغزل بالذات ، وإدعـاء السبق في كل شيء ، والتقليل من حجم الآخر ومن شأن إنجازاته ، والتمسك بحلم لا يستند إلى مبررات بأن العزة والتقدم والرفعة آتية عما قريب .
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.