د. إبراهيم مراد الدعمة
لا بد لمن أكرمه الله عز وجل بأن كان من أهله، واصطفاه لحفظ كتابه، وجعله من خاصته وأصفيائه أن يتميز عن غيره من الخلق سواء بعباداته أم بأخلاقه وسلوكه، ولا بد له من أن يسمو على غيره بسماته، فيكون كما وصفهم أحد الصالحين بقوله: “مِنَ الناس مَنْ تُذَكِّرُك رؤيتهم بالله”.
فما هي أهم سمات حافظ القرآن الكريم، وما هي عباداته ؟
أولاً: سمات حافظ القرآن الكريم:
يتسم حافظ القرآن الكريم بخصائص مهمة وسمات كثيرة تميزه عن غيره من الناس، من أهمها:
1. تعظيم الله سبحانه وتعالى ومحبته: وهذه من أهم سمات حافظ القرآن الكريم، كيف لا، وهو يتعامل مع كلام الله عز وجل الذي هو صفة من صفاته، وهذا القول الثقيل على النفس البشرية، والذي قال عنه سبحانه وتعالى: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً} [المزمل:5] ولولا تيسير الله تبارك وتعالى لتلاوته ما استطاع أحد تلاوته كما قال عز من قائل: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} [القمر:17].
يقول عبد الله بن مسعود (رضي الله عنه): “مَن كان يحب أن يعلم أنه يحب الله عز وجل فليعرض نفسه على القرآن؛ فمن أحب القرآن فهو يحب الله، فإنما القرآن كلام الله”.

2. حضور القلب عند تلاوته وسماعه: فإذا عَظَّم العبدُ اللهَ عز وجل، واستحكمت محبته من قلبه، عَظُم كلامه لديه، فيُقبل عليه بقلب حاضر، وأُذن مستمعة، فيتدبّر معانيه، فيزداد إيماناً ويقيناً على موعود الله عز وجل الذي وعد به عباده المتقين في الآخرة، فيكون له ذكرى في الحياة الدنيا، كما قال سبحانه وتعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} [ق:37].

3. التقرب إلى الله عز وجل بالطاعات: وهذا أمر لازم لمن أقبل على كلام الله سبحانه وتعالى، فمَن أحب القرآن يحرص على أن ينهل منه ما استطاع، فيجعل منه ورداً يوميّاً للقراءة، وورداً للقيام، ووقتاً لزيادة الحفظ، ووقتاً لتثبيت حفظه، ولكل أمر من هذه الأمور أجرها وثوابها.

4. البعد عن كل ما يُلهي عن القرآن الكريم: ويتمثل ذلك بالبعد عن إضاعة الوقت، والبعد عن اللغو ورَفَث القول، والبعد عن اللهو واللعب المُلهي، وغيرها من الأمور التي تُقسّي القلب، وتُضيع العمر فيما لا طائل منه، يقول الفضيل بن عياض رحمه الله: “حامل القرآن حامل راية الإسلام، لا ينبغي أن يلهو مع من يلهو، ولا يسهو مع من يسهو، ولا يلغو مع من يلغو، تعظيماً لحق القرآن”.

5. الابتعاد عن المعاصي والآثام: لأن هذه المعاصي تقسي القلب وتُميته، وتُسبب ظلمة في النفس وضعفاً في البدن، كما قال سبحانه وتعالى: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [المطففين:14]، وقد بَيّن الإمام عبد الله بن المبارك رحمه الله خطر الذنوب بقوله:

رأيتُ الذنوب تُميتُ القلوب      وقد يُورث الذُّلَّ إدمانها

وتَرْكُ الذنوب حياة القلوب       وخيرٌ لنفسك عصيانهـا

6. تعاهد القرآن الكريم وعدم هجره: وهذه من السمات المهمة لحافظ القرآن الكريم؛ فالقرآن الكريم شديد التَّفَلُّت من صدر حامله، فعن أبي موسى الأشعري (رضي الله عنه) عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: “تعاهدوا هذا القرآن، فوالذي نفس محمد بيده لهو أشد تَفَلُّتاً من الإبل في عُقُلِها”. (صحيح مسلم).

7. الإخلاص في حفظه وتلاوته وعبادته: وهذه من أهم وأعظم السمات الواجب توفرها في كل عمل من أعمال العبد المسلم، فكيف به مع القرآن الكريم، ورسول الله (صلى الله عليه وسلم) يخبرنا بأن أول مَن تُسَعَّر النار يوم القيامة بهم ثلاثة، منهم حافظٌ للقرآن الكريم، طلب القرآن للدنيا ولم يطلبه للآخرة. (سنن الترمذي).

ثانياً: عبادات حافظ القرآن الكريم:
من استعراض النصوص القرآنية والأحاديث النبوية يمكننا تلخيص عبادات حافظ القرآن الكريم بما يلي:

1. الإكثار من تلاوة القرآن الكريم: يحرص حافظ القرآن الكريم على الإكثار من تلاوته، فهذا الكتاب يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه، وله بكل حرف يتلوه حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ الله وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ . لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ} [فاطر:29–30].

2. تدبُّر القرآن الكريم: وهذه عبادة مهمة لحافظ القرآن، وصفتها: أن يُشْغِل قلبَه في التفكُّر في معنى ما يَتَلَفَّظ به، فيعرف معنى كل آية، يتأمّل الأوامر والنواهي، ويعتقد بذلك، فيشكر على التوفيق للعمل، ويعتذر ويستغفر للتقصير، وإذا مَرَّ بآية رحمة استبشر وسأل، وإذا مَرَّ بآية عذاب أشفق وتَعَوَّذ، أو مَرَّ بآية تنزيه نَزَّه وعَظَّم، أو آية دعاء تَضَرَّع وطلب، قال جَلَّ في علاه: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ} [ص:29]، وقال سبحانه وتعالى أيضاً: {وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً} [الفرقان:73].

3. تَعَاهُد القرآن الكريم وتثبيته: فلا يُعْقَل أن يَمُنَّ الله سبحانه وتعالى على عبده بحفظ كتابه ويُشَرِّفه بذلك، فيكون جزاء ذلك الهجر والنسيان أبداً، لذلك يجعل حافظ القرآن لنفسه وِرْداً لتثبيت الحفظ، وأياماً أخرى للقيام والتهجد به، كما أخبر سبحانه وتعالى: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً} [الإسراء:79]، وهذا القيام أخبر عنه الحبيب (صلى الله عليه وسلم) بأنه شرف المؤمن بقوله: “شرف المؤمن قيام الليل، وعِزُّه استغناؤه عن الناس”. (الترغيب والترهيب للمنذري، بسند حسن)، وقد حذّر الرسول (صلى الله عليه وسلم) من نسيان القرآن الكريم بقوله: “عُرضت عليَّ ذُنوب أُمّتي، فلم أَرَ ذنباً أعظم من سورة من القرآن، أو آية أُوتيها رجل ثم نسيها”. (سنن أبي داود بسند حسن).

4. الإكثار من فعل الطاعات: وهذه وسيلة التقرُّب إلى الله سبحانه وتعالى والحصول على محبته عز وجل، لذلك تجد حافظ القرآن يُكثر من هذه النوافل، وهذا مصداقاً لقول النبي (صلى الله عليه وسلم) في الحديث القدسي: إن الله تعالى قال: “مَن عادى لي وليّاً فقد آذنته بالحرب، وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيء أحَبَّ إليَّ مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنتُ سمعه الذي يسمع به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي عليها، ولئن سألني أعطيته وإن استعاذني أعذته”. (صحيح البخاري)، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): “مَن قام بعشر آيات لم يُكْتَب من الغافلين، ومَن قام بمئة آية كُتب من القانتين، ومَن قام بألف آية كُتب من المُقَنْطِرِين”. (رواه أبو دواد بسند حسن).

5. الاستقامة على أمر الله سبحانه وتعالى: وهذه الاستقامة تعني طاعة الله عز وجل والالتزام بأمره في السر والعلن، مصداقاً لقوله سبحانه وتعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا الله ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ . نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ . نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ} [فصلت:30-32]، وقوله أيضاً: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً . وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} [الإسراء:9-10].

ولقد أجمل عبد الله بن مسعود (رضي الله عنه) كل هذه الصفات بقوله: “ينبغي لحامل القرآن أن يُعْرَف بليله إذا الناس نائمون، وبنهاره إذا الناس مُفطرون، وبحُزنه إذا الناس يفرحون، وببكائه إذا الناس يضحكون، وبِصَمْتِه إذا الناس يخوضون، وبخشوعه إذا الناس يختالون، وينبغي لحامل القرآن أن يكون باكياً محزوناً حكيماً حليماً سكيناً، ولا ينبغي لحامل القرآن أن يكون جافياً ولا غافلاً ولا صَخَّاباً ولا صيّاحاً ولا حديداً”. (شعب الإيمان للبيهقي).

وكما قال الإمام الشافعي رحمه الله:

كل العلوم سوى القرآن مشغلة        إلا الحديث وعلـم الفقه والدين

العلم ما كان فيه قول حدَّثَنا         وما سوى ذاك وسواس الشياطين

 

JoomShaper