لها أون لاين
جنبا إلى جنب استخدمت الدول المعادية للإسلام سلاح الغزو الفكري مع الحروب العسكرية بالأسلحة التقليدية؛ حتى تمكنت من إلحاق الهزيمة بالمسلمين، فنجحت في إسقاط الخلافة الإسلامية، وقسمت الدول الإسلامية على الدول الكبرى، وعمدت هذه الدول ليس فقط إلى نهب ثروات المسلمين وإضعافهم عسكريا، بل إلى تغيير عقائدهم، وطمس هويتهم، وقامت بخطط متواصلة، وجهود مستمرة بالتشكيك في مصادر شريعة المسلمين، وإضعاف انتمائتهم، وجعلهم لا يفخرون بإسلامهم، ولا يعتزون بهويتهم.
ولكن لم تطل فترة الضعف حتى استيقظت الشعوب، وبدأت الدعوات تنشط في محاولة استعادة المجد للمسلمين، والعمل على الاعتزاز بدينهم، والفخر بهويتهم.
لها أون لاين تناولت هذا الموضوع في الحلقة السابقة(*) بعدد من الآراء و التعليقات حول كيفية اعتزاز المسلمين بإسلامهم، واليوم نستكمل تحقيقنا حول وسائل عودة المسلمين للاعتزاز بدينهم، و كيفية ترسيخ الهوية الإسلامية.
الأستاذ حسن زين الدين ـ وكيل معهد التدريب المهني العسكري بجدة ـ من واقع خبرته كمسلم أقام لعدة سنوات في بريطانيا قال: كنت أبرز هويتي كمسلم، و لا أتحرج من أداء العبادات، فغير المسلمين لا يستغربون منا عندما نؤدي الصلاة في مكان الدراسة أو العمل، و يحترمون من يحترم هويته ودينه لأنهم يتمسكون بقناعتهم.
على سبيل المثال المرأة الغير مسلمة لا ترتدي الحجاب الشرعي عندما تأتي إلى بلاد المسلمين وتعتبره حرية شخصية فالأولى أن لا تتحرج المسلمة من حجابها.
لكن يوجد بعض الأشخاص يتحرجون من إبراز هويتهم الإسلامية؛ لأن لديهم بعضا من التصرفات التي تخالف الدين، و تعطي انطباعا خاطئا عن الدين، و أحيانا أخرى يكون الحرج بسبب التساؤلات عن بعض الأمور في الدين، مثل: الحكمة من التعدد، و تقسيم الميراث للذكر ضعف الأنثى و كل هذه الأمور من الممكن تجنب الإحراج فيها، بالقراءة والاطلاع على الحكمة منها، و تصبح مصدرا للعزة بدلا من أن تكون مصدرا للإحراج.
أما مودة قمصاني ـ طالبة بالمرحلة الثانوية، بجدة ـ فتقول: أعتز بإسلامي و أحافظ على حجابي و صلاتي في كل مكان في العالم و لا أهتم بنظرات الغير طالما أنا على حق و مقتنعة بديني و معتقداتي.
لماذا أخجل من أظهار ديني! بل العكس أظهر و أفتخر بديني بكل الطرق، و أعجبتني بعض الصفحات والحملات على الفيس بوك، مثل: حملة هويتي ديني و صلاة سر حياتي و العزة للإسلام و التي تدعو للاعتزاز بالدين وأداء العبادات بدون حرج، خاصة لمن يعيشون غرباء في بلاد يسود فيها ديانات مختلفة.
فيما تحدثت أميمة الغفاري ـ معلمة بجدة ـ عن نقطة جوهرية في هذا الموضوع إذ قالت: الكثير لا يعلم من أمور دينه سوى الأصول و الأحكام الفقيهة التي يتعلمونها في المدرسة، وهو شيء جميل جدا لكن من المهم أيضا أن يتعلموا أن دينهم هو الدين الذي يدعو إلى مكارم الأخلاق، و أن ما نتحلى به من تمسك بديننا ليس برجعية و لا تخلف، بل العكس التمسك بالدين يدل على ثبات الهوية و قوة الشخصية و سلامة التفكير.
و أضافت الغفاري أن من واجبنا كمربين أن نعلم بناتنا و أبنائنا كيف يعتزوا بدينهم و يفتخروا به، و أن نغرس فيهم العزة و الفخر بدينهم فالمرء على ما شب عليه وتعود.
وأردفت بقولها: إن شعور البعض بالخجل من دينه ليس خجلا حقيقيا، بل هو خجل وشعور بالدونية من أمور أخرى، و أقول: لهؤلاء ليس بالضرورة إذا كان الشخص متطورا في جانب يكون على حق في الجوانب الأخرى، إنما هي الحياة و العطاء من رب العالمين، فبعض الشعوب متطورة علميا، ولكنها اجتماعيا تعاني من فساد أخلاقي، و بعضها وصل لقمة التكنولوجيا ولكنهم ما زالوا يعبدون بقرة فلنحافظ على ديننا ونفخر به و لا نغتر بما وصل له الغرب بعيدا عن الدين تصديقا لقوله تعالى: "لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم مأواهم جهنم و بئس المهاد".
تربية الصغار على الاعتزاز بالدين
تؤكد على ذلك "أم نزار" 35 عاماً ـ من فلسطين ـ مغتربة مع زوجها في أمريكا، لافتة إلى أن معرفة الدين الحق هي طريق الاعتزاز والافتخار والمباهاة به، وأضافت أن امتثال المسلم لآداب وأخلاق دينه في كل معاملاته وسلوكياته من شأنها أن تنقلها إلى الأجيال المتصاعدة، مما ينعكس وفق تعبيرها على اعتزازهم بدينهم الإسلامي، فيشب الصغار وهم يتفاخرون بكل تفاصيل تاريخه ويبرزون هويته في كل مكان يحلون فيه داخل الوطن الإسلامي أو خارجه، في أوطان الاغتراب غير الإسلامية، وبيَّنت أنها تعمد إلى تعليم ابنها نزار- 7 سنوات- تعاليم الدين الإسلامي القويم وتدعم ذلك بتحقيق حالة حيَّة وواقعية أمامه، وترد كافة الشبهات التي يثيرها المجتمع الغربي حول الإسلام والمسلمين.
مؤكدة له أن الدين الإسلامي هو الدين الوحيد الذي يقوم على تحقيق المساواة والعدالة فهو ينصر المظلوم ويحق الحق، وتفهمه بأنه دين يسير، و متطور بمبادئه ونظمه الصالحة لكل زمان ولكل مكان. مدللة على ذلك بسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وتاريخ الصحابة والخلفاء من بعده، وكذلك تبين له أن الابتعاد عن الدين واللهث وراء العلمانية الحديثة ما هو إلا سبيل الضياع والاندثار في كل المستويات العلمية والتاريخية والحضارية والإنسانية قائلة: "إن الوقائع على الأرض تشير إلى صحة نظريتها فما إن يبتعد قوم عن دين الحق ورسالة الحق التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم إلا وقد هلك".
وتوافقها الرأي "أميّة" 39أم لطفلة واحدة، فتشير إلى أن تربية الطفل على تعاليم الدين القويمة، وممارسة كل ما آتي به الدين الإسلامي في تعاملات وسلوك الوالدين من شأنها أن تغرس حب هذا الدين في نفوسهم، ومن ثمَّ يتطور ذلك الحب إلى فخار ومباهاة بالدين ولا سيما العمل على نشره إذا ما عمد سلك طريق العلم في علومه العظيمة من القرآن والسنة والتاريخ الإسلامي والفقه، وأضافت قائلة: "إن تعميق الفهم الحقيقي والفقهي للإسلامي، يقود إلى عدم الاكتفاء بالتدين الفردي العادي والعمل على نشر ما فهمه وفطنه اعتزازاً وفخاراً به، فهو لا يريد أن يرى في تعاملات وسلوكيات إلا مبادئ الإسلام"، وأضافت أن الوصول لهذه النتيجة تتم من خلال تنمية القدرات العقلية والمهارات العملية اللازمة لدى الطفل لحمل الرسالة وتحويلها إلى ممارسات تطبيقية.
الإسلام علماً وعملاً
يرى د. رمضان الزيان- رئيس لجنة الإفتاء الشرعي بجامعة الأقصى- أن الله سبحانه وتعالى عندما اختار للمسلم هذا الدين اختار له الخيرة في الدنيا والآخرة، وأضاف في حديثه مع "لها أون لاين" أن على الإنسان أن يعي تلك الخيرية التي وهبها الله سبحانه وتعالى له ويعمل على إحقاقها وإبرازها في كل تعاملاته وسلوكياته التزاماً بقوله سبحانه وتعالى: "إن الدين عند الله الإسلام"سورة آل عمران. وشدد قائلاً :"لا بد للإنسان المسلم أن يمتثل كافة التعاليم الإسلامية اعتزازاً وفخاراً بدينه الذي جاء خاتماً للرسالات السماوية جميعها" وبيَّن د. الزيان كيفية ذلك من خلال الانتساب لهذا الدين عقيدةً وعبادةً وانتماءً وأحكاماً وأخلاقاً ومعاملات ويقارن نفسه بملايين البشر ممن يدينون بأديان سماوية باطلة كاليهودية أو النصرانية أو ديانات أرضية كالبوذية أو ديانات لا تمت للعقل بصلة، خاصة فيما يتعلق بالإلحاد.
مؤكداً أنه عندها سيفخر بالدين الذي يدين له؛ لأنه دين حق وصلاح وخير وعدالة في الدنيا والآخرة، وشدد أن الاختيار الرباني من الله للإنسان بأن يكون تابعاً للدين الإسلامي لابد وأن يقابله شكر لهذه النعمة فيمثل الإسلام حقيقةً في معاملاته وأفكاره وأخلاقه وسلوكه فيفكر بما فيه خير للبشرية جمعاء وإصلاح الأرض وإعمارها ليحقق غاية استخلاف الله له في الأرض.
ويضيف د. الزيان أن الاعتزاز والفخر بالدين لا يقتصر على تمثله في الأفكار والأخلاق والعبادات والمعاملات بل يمتد – وفق قوله- إلى عدم الاستهانة بشيء من الأحكام الإسلامية التي ثبتت عن الرسول صلى الله عليه وسلم. مؤكداً أن أي استهتار بأي حكم شرعي ثبت فعله من الواجبات أو أنه من المستحبات عبارة عن خروج عن منطق الإسلام، قائلاً: إن الإسلام لم يأت إلا لتنظيم حياة الناس والارتقاء بهم لذلك كان من الواجب الارتقاء به وتعزيزه في كل مناحي حياة المسلم العقدية والسلوكية.
الاغتراب والخجل
وينكر د. الزيان على المسلم الخجل من دينه، سواء كان داخل وطنه أو خارجه، قائلاً: إن من يفعل ذلك لا يؤمن إيماناً حقاً بمبادئ وتعاليم الدين الإسلامي.
وأضاف أن من يتوارى عن دينه بدافع الخجل من التهم التي يُلصقها الغرب بالإسلام والمسلمين أنه دين إرهاب وأن المسلمين دمويون لم يتوطن الإيمان بقلبه.
ولفت د. الزيان أن من يؤمن بالإسلام حقاً يعي أنه دين العدل والمساواة، ويعلم أنه دين الانتصار لمظلوم ودين إحقاق الحقوق، فلا يصدق أنه دين إرهاب ودم ولا يتوارى عن أحكام ومعاملات دينه ليظهر لمن يتهموه بذلك أنه ليس إرهابياً.
مشدداً على أن من يخجل من الاعتزاز بإسلامه ودينه وتاريخه وهويته الإسلامية –خاصة ممن هم بالخارج في البلاد الأجنبية- خشية إملاق أو إخفاق لم يتمكن الدين من قلبه.
مؤكداً أنه لا يقر بأن الرزق والخير والسعادة في الدنيا والآخرة بيد الله، وأن المسلم المغترب يجب أن يعي ما هو فيه من نعمة وعزة وكرامة وأن كل الشهب المثارة على الإسلام، هو بريء منها.
لافتاً أن الانحرافات عند بعض المسلمين لا يمكن تعميمها على الإسلام الذي هو دين الحق والحضارة والبناء والأخلاق والمعاملة الحسنة. قائلاً: على المسلم هنا أن يراجع إسلامه ويعرف الإسلام على حقيقته ليكون مفاخراً به معتزاً بتاريخه وأحكامه العملية والفقهية، وأن يعلق الإيمان بقلبه أن الله هو الرزاق والقادر على التغيير وحفظ خيرات الدنيا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*رابط الحلقة الأولى: كيف يعتز المسلم بإسلامه؟(1 ـ1)
www.lahaonline.com/articles/view/39955.htm
اشترك في التحقيق: من جدة غادة بخش، ومحاسن أصرف من فلسطين.
كيف يعتز المسلم بإسلامه؟ (2 ـ 2)
- التفاصيل