لها أون لاين
التواضع من خير الخلال وأحب الخصال إلى الله وإلى الناس وهو موجب للرفعة، وباعث على التآلف ومحقق للحب والود، وقد أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يتواضع للمؤمنين، فقال تعالى: "وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ" سورة الحجر 88، وبين أن ذلك من أسباب جمع القلب عليه فقال تعالى: "فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ" سورة آل عمران 159 والتواضع في الحقيقة هو إلانة (لين) الجانب مع عزة في النفس وإباء للضيم.
ومن التواضع عدم الافتخار بالآباء والأجداد ومن التواضع عدم البغي والاعتداء.
والتواضع يمكن الدعاة من جمع الأنصار ويحببهم إلى الناس، فيستمعون إليهم ويتأثرون بهم، ويتأسون بأفعالهم.
ويجب أن يكون التواضع مع جميع الناس مع الكبير والصغير والرئيس والمرؤوس، والغني والفقير والضعيف والقوي ومع العالم والجاهل وكل أصناف المجتمع فمن التواضع طيب الحديث والتبسم في وجه الناس، والرفق بهم وعدم مؤاخذتهم بزلاتهم، وتهدئة روعهم إذا فزعوا ولقد كان نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم وهو قدوة الدعاة قمة في التواضع مع جميع الناس مع علو منصبه ورفعة رتبه وحسبنا أن الله تعالى خيّره بين أن يكون نبيا ملكا أو نبيا عبدا فاختار أن يكون نبيا عبدا. وكان صلى الله عليه وسلم كثيرا ما يعظ قومه ويقول: "لن يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر" رواه مسلم.
وعن الأسود رحمه الله قال: سألت عائشة رضي الله عنها ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع في أهله؟ فقالت: كان يقوم في أهله قال: "يعني في خدمة أهله وإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة" رواه البخاري.
وعن هشام عن أبيه قال: سأل رجل عائشة رضي الله عنها هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل في بيته؟ فقالت: نعم "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخصف نعله ويخيط ثوبه ويعمل في بيته كما يعمل أحدكم في بيته" رواه البخاري في الأدب المفرد، وحسنه الألباني. وعن أنس رضي الله عنه قال: "مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على صبيان فسلم عليهم" رواه البخاري.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن امرأة كان في عقلها شيء فقالت : يا رسول الله إن لي إليك حاجة فقال : يا أم فلان انظري أي السكك شئت حتى اقضي حاجتك فخلا معها في بعض الطرق حتى فرغت من حاجتها" رواه مسلم.
وجاءه رجل يرتعد يوم فتح مكة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : "هون عليك فاني لست بملك إنما إنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد"رواه ابن ماجه وصححه الألباني.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لو دعيت إلى ذراع أو كراع لأجبت ولو اهدي إلي ذراع أو كراع لقبلت" رواه البخاري.
ولقد أوحى الله تعالى إلى نبيه صلى الله عليه وسلم بضرورة تواضع الناس فيما بينهم وأن يبتعدوا عن الفخر والبغي، فعن عياض بن حماد رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد" رواه مسلم.
وتواضع الأفراد رفعة لهم فقد أخبر بذلك. حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله" رواه مسلم.
المقصود بالتواضع: أن يمشي المؤمن بين الناس هونا، وأن يخفض جناحه لمن يلقاه، وأن يرضى أن يأكل ما حضر من طعام، ويلبس ما تيسر له من اللباس، ويمتزج على من يلتقي من البشر دون كبر، أو أن يدخله بقية من عجب آو تساوره نظرة من استعلاء، ولقد جعل الله سبحانه وتعالى من أخص أوصاف تلك الأمة التي سيبعثها إذا شاء سبحانه، إنها متواضعة فيما بينها شديدة على أعدائها قال الله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ" سورة المائدة 54.
فالتواضع يجعل الداعية محبوبا في قومه وبيئته ذا أثر فعال بينهم، وقوامه عليهم صفة التواضع وخفض الجناح، فالكبر يشكل جدارا وحاجزا بين الداعية والناس، بل ويجعل الداعية معزولا عن مجتمعه غير مألوف ممن حوله.
ـــــــــــــــــــ
*من كتاب صفات الداعية للدكتور حمد بن ناصر العمار ط أولى دار إشبيليا بالرياض 1417هـ =1996م.
من الصفات الأساسية للداعية التواضع*
- التفاصيل