بقلم :أ.د. عمر سليمان الأشقر
شهد الربع الأول من القرن العشرين انهيار بقية السُّور العظيم الذي كان يحمي معاقل الإسلام، وأعني بذلك السور: الخلافة الإسلامية العثمانية التي تهاوت تحت مطارق الكفر ومؤامرات الأعداء الألداء والأبناء الأغبياء.
وبانهياره تحطمت آخر السدود التي كانت تحول دون الطوفان الكبير الذي أغرق العالم الإسلامي بالجيوش الجرارة التي قذف بها أعداؤنا إلى ديارنا لتقضي على بقايا القوة الإسلامية، وتهين كرامة المسلمين، وتخرجهم من النور إلى الظلمات، وصحا المسلمون على صهيل خيول أعدائهم، وقعقعة سلاحهم، وأخذوا يقارعون جيوش الكفر، ويحاولون حماية أنفسهم، ولكن أنّى للجسد الهزيل المقطَّع الأوصال المنهك القوى أن يقاوم القوة الجبارة التي أحاطت به من كل حدب وصوب؟ ولم يكتف الأعداء بما حققوه من انتصارات في ميدان الحرب والقتال، بل ذهبوا إلى أبعد من ذلك عندما اغتالوا الشريعة الإسلامية، فأبعدوها عن سياسة الأمة وقيادتها، وأجهدوا أنفسهم في اغتيال العقيدة الإسلامية، ولتحقيق ذلك سلكوا كل سبيل، وزينوا للمسلمين أن يبحثوا عن علاج لمشكلاتهم في نظريات الشرق والغرب، وكل مبدأ ضال أنتجته عقول البشر، وأبوا عليهم أن يرجعوا إلى الأصالة المتمثلة في المنهج الإسلامي.
وشهد العالم الإسلامي بعد سقوط الخلافة تشتتاً وضياعاً، وسرت في أوصال الأمة الأمراض الفكرية والعقائدية المستوردة، ومُسخت الشخصية الإسلامية، وشُوّهت العقيدة الإسلامية، واحتارت السبل بأمة الإسلام، فلم تدر أين السبيل ولا أين الطريق.
وأقفرت كثير من ديار الإسلام وأجدبت؛ فقد منعت السماء قطرها، فجفّت الحقول، وذوت الأشجار وعصفت الرياح بالبقية الباقية من خيرات الأرض، لقد عشنا فترة ضياع الوجهة والهوية، ورأينا كيف يمّم الشباب في ديار الإسلام وجوههم وقلوبهم إلى ديار الكفر ومبادئه ومناهجه، ورأينا كيف خلت المساجد من روادها، وكيف امتلأت السينمات والمسارح ودور اللهو بالشباب الذين كانت وتُعقد عليهم الآمال لإنهاض الأمة من كبوتها.
وإمعاناً بالمكر زُيِّن للشباب أن بلاء الأمة يكمن في دينها، فحورب الإسلام في ديار الإسلام في كل الميادين، وأصبح الدين ورجاله موضع هزء وسخرية، وأصبح المنادون بالعودة إلى الإسلام يعدون رجعيين ومتأخرين، بل صُنِّفوا في عداد المجرمين.
ولقد كانت مهمة الرواد المسلمين الذي عاشوا هذه الفترة إيقاف السقوط الكبير في مهاوي الكفر والضلال؛ وذلك بإشعال جذوة الإيمان في النفوس، وإعادة الثقة بالإسلام، وإمداد النفوس الخاوية بماء الحياة الذي يعيد إليها رونقها وصفاءها، لقد كان الصراع في تلك الفترة على بقاء الإسلام أو زواله؛ فالدعوة الأصيلة في تلك المرحلة كانت تهدف إلى إحياء الإيمان في نفوس المسلمين.
لقد حورب الذين نذروا أنفسهم لهذه المهمة فَزُجَّ بهم في أعماق السجون، وعُلِّقوا على أعواد المشانق، ولُفِّقت لهم التهم الباطلة، وطوردوا في بقاع الأرض، وعلى الرغم من البلاء والفتن والتشريد الذي تعرض له دعاة الإسلام في أرض الإسلام فإن الدعوة الإسلامية أثمرت ثماراً طيبة، ولاقت قبولاً واسعاً، فعادت جذوة الإسلام تشتعل في النفوس من جديد، وعاد كثير من المسلمين إلى الأصالة الإسلامية، وعرفوا هويتهم ووجهتهم.
وأنت إذا سرتَ في ديار الإسلام اليوم، ترى في ديارنا سهولاً خضراء، وروابي وارفة الظلال، تنبت في جنباتها الورود والرياحين، لقد بدأت الأرض تحيا من جديد، ويعود إليها بهاؤها ورونقها {وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ} [الفتح:29].
إذا سرتَ في بلادنا ترى المساجد ملأى بالشباب، ووجهة الشباب في المدارس والجامعات ودور العلم هو الإسلام، وكثير من جموع الأمة بدأت رحلة العودة بعد ضياع طويل، لقد سرى في الأمة قبس من ضياء، فأحال الظلام نوراً، ورأى السالكون الطريق، وحددوا الهدف والغاية.
الأمة بدأت رحلة العودة
- التفاصيل