برلين -الراية:
"قولوا للعالم، إنه لا ينبغي عليه أن ينسى سوريا"، هذه هي رسالة طفلة سورية اسمها "سارة"، تبلغ من العمر سبعة أعوام، وتعيش في مدينة حلب بشمال سوريا. بهذه الكلمات المؤثرة، استهلت هناء سنجر، مدير مكتب منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسيف"، في دمشق، تصريحاتها للصحفيين في برلين، في نهاية زيارة عمل، وقالت وهي تغالب دموعها، إنها التقت قبل سفرها إلى ألمانيا، هذه الطفلة في إحدى المدارس، وحدثتها عن مُعايشتها حول الحرب والعنف والدمار في حلب، وعندما علمت الطفلة أن هناء ستسافر بعد أيام إلى ألمانيا، حملتها الرسالة أعلاه.
منذ ستة أشهر، تشرف المصرية هناء سنجر، على مكتب "يونيسيف" في العاصمة السورية، حيث تعمل هناك في التنسيق، من أجل تقديم المساعدات لحوالي 5,6 مليون طفل سوري، جعلتهم الحرب الأهلية الدامية الدائرة هناك منذ أربعة أعوام، يعتمدون في الحياة، على مساعدات من الخارج. وحوالي مليونين منهم، لا تصلهم هذه المساعدات الدولية، لصعوبة إيصالها بواسطة العاملين في منظمات الإغاثة الدولية، إلى المناطق التي يوجدون فيها، حيث يقيمون في مناطق تحولت إلى جبهات قتال، ومحاصرة من قبل قوات النظام، أو يسيطر عليها مقاتلو ما يسمى بتنظيم داعش، أو تجري فيها معارك تصفية بين مُختلف الجماعات، كما تتعرض إلى سقوط براميل متفجرة، ترميها طائرات النظام السوري على رؤوس المدنيين، الذين يعيشون في مناطق أعلنت تحررها من نظام بشار الأسد.في كافة الأحوال، يواجه أطفال سوريا منذ اندلاع الانتفاضة الشعبية هناك ضد نظام بشار الأسد، أبشع صور العنف، وذلك بشكل يومي، حيث سرقت الحياة طفولتهم، والكثير من هؤلاء الأطفال، فقدوا معيليهم، ومنهم من حمل السلاح، فغدا بين ليلة وضحاها، راشدًا، يعيش عالمًا من العنف، رغم أنه ما زال يحتاج إلى سنوات حتى يبلغ سنّ الرشد.
وتحدثت هناء سنجر عن التجارب المريرة التي يعيشها أطفال سوريا فقالت، في مدينة الرقة، بشمال سوريا، على سبيل المثال، التي يسيطر عليها تنظيم الدولة، يجري إجبار الأطفال على مشاهدة شرائط فيديو تظهر عمليات الإعدام، بطريقة بربرية، تقزز الأنفاس، وأشارت إلى أن هذه الأعمال، تؤكد أن أطفال سوريا، أصبحوا ضحايا عنف لا يوصف، وحرب مروّعة، لا أحد يعرف متى تنتهي.
وأوضحت هناء سنجر، أن عشرة آلاف طفل سوري على الأقل، قُتلوا خلال السنوات الأربعة الماضية، كما أصيب عشرات الآلاف منهم بجراح خطيرة، والكثير منهم، أصبحوا مُعاقين مدى الحياة، علاوة على أنه أصبح في سوريا، جيل من الأطفال، يعانون من عوارض نفسية صعبة، تجعلهم يعتمدون على المساعدة الطبية لسنوات طويلة. وأضافت مديرة مكتب "يونيسيف" في دمشق: حتى لو توقفت الحرب غدا، فإن المجتمع السوري، سيضطر لتحمل هذه التركة الصعبة لعقود طويلة.
وقالت هناء سنجر، إنها زارت مؤخرًا أحد المستشفيات في دمشق، حيث يتلقى ثلاثة أطفال العلاج فيها، بعد إصابتهم بشظايا قنبلة أصابت سطح منزلهم، وفقد ثلاثتهم أطرافًا، بينما توفيت طفلة كانت تلعب معهم، وأشارت هناء إلى أن المكان الذي كان يلعب فيه الأطفال، لا يُعتبر منطقة قتال.
وصرح كريستيان شنايدر، المدير التنفيذي لمنظمة "يونيسيف"، خلال المؤتمر، الذي شاركت فيه أيضًا، دانييلا شادت، سيدة ألمانيا الأولى، وكانت تعمل صحفية عندما تعرفت بالقسيس السابق يواخيم جاوك، الذي أصبح لاحقًا رئيسًا لألمانيا، أنه مقتنع بأن الكثير من الأطفال في سوريا، الذين قتلوا أو أصيبوا بجروح، تمّ استهدافهم من قبل أطراف الحرب. وقال إن لديه معلومات، بأن القناصة، يستهدفون الأطفال، كما جرى تدمير مدارسهم، حيث تعرضت 69 مدرسة في سوريا، إلى دمار كامل، ما يعني، أن جيلاً من رجال ونساء الغد، حُرموا من التعليم، وسيكونون محظوظين، لو خرجوا أحياء من غياهب هذه الحرب.
وأضاف كريستيان شنايدر، إن في سوريا، 4200 مدرسة، وتقول الأرقام، إن خُمس مدارس سوريا لم تعد موجودة على الأرض، وبالتالي لا يمكن استخدامها لتعليم الأطفال، ومن بقي منها دون دمار كامل، فقد تحول إما إلى مستشفى ميداني، أو إلى مأوى للاجئين، أو إلى قاعدة عسكرية لأحد أطراف الحرب. ووفقًا لكريستيان شنايدر، كان في سوريا قبل الحرب خمسون ألف مدرس، قُتل نصفهم، وأجبر النصف الآخر على الفرار، وقدر كريستيان شنايدر، عدد البنات والصبية في سوريا، الذين لم يعد بمقدورهم الذهاب إلى المدارس، بسبب الحرب، بحوالي ستمائة ألف تلميذ وتلميذة.
من وجهة نظر منظمة "يونيسيف"، فإن نظام التعليم في سوريا، من أبرز مواضيع النقاش. وحسب بيانات المنظمة الدولية، فقد قامت بتوزيع مستلزمات الدراسة، على مليوني طفل في سوريا وفي مخيمات اللاجئين في دول الجوار. وأكّدت هناء سنجر، أن الذهاب إلى المدرسة، هو حقّ أساسي من حقوق الطفل، علاوة على أن زيارتهم المدرسة، شكل من أشكال العلاج من مرض الحرب، ويشجعهم على الحياة، ويوفر لهم الأسباب، للاستيقاظ في الصباح، والحصول على فرصة للتمتع لبضع ساعات بطفولتهم وبراءتهم، والحديث عن أحلامهم وآمالهم، وهم بذلك يجنبون أنفسهم من التحول إلى جيل ضائع، حذّر منه سعادة د. خالد بن محمد العطية، وزير الخارجية القطري، عندما شارك مؤخرًا في مؤتمر الدول المانحة لسوريا في الكويت، وأعلن هناك مبادرة قطرية، لإنقاذ هذا الجيل ومنحه فرصة في الحياة. وأكّدت هناء سنجر، أن غالبية الشبيبة في مخيمات اللاجئين، لديهم طموحات، ويضعون خططًا للمستقبل، فمنهم من يتمنى أن يصبح طبيبًا، ومنهم من يريد أن يصبح محاميًا، ومنهم من يريد أن يصبح خبيرًا في الكمبيوتر، ومنهم من يريد تعلم مهنة آبائه وأجداده.
وهذه الآراء، تشاطرها إياها، دانييلا شادت، رفيقة حياة الرئيس الألماني، يواخيم جاوك، التي تدعم الفرع الألماني لمنظمة "يونيسيف"، وقالت إنها عندما زارت قبل مدة، مخيم "الزعتري" للاجئين السوريين في الأردن، التقت بنات سوريات، تحدثن معها عن أحلامهن، بأن يصبحن طبيبات ومهندسات، يجب مساعدتهن على تحقيقها. وقالت سيدة ألمانيا الأولى: هؤلاء الأطفال، حددوا أهدافهم للمستقبل، وهم يريدون المساعدة ببناء بلدهم والمجتمع السوري. وطالبت شادت، المُجتمع الدوليّ بعدم تجاهل الأزمة في سوريا، حتى لا يتعوّد العالم على الحرب هناك بحيث تصبح روتينيّة، وإنما العمل من أجل وقف الحرب وحلّ النزاع، لأن أطفال سوريا، لا يستحقّون، نسيان معاناتهم.
وتقدّم منظمة "يونيسيف" مساعدات طبية للأطفال إلى جانب المساعدة في التعليم الطارئ، مثل العلاج النفسي، والرعاية الصحية. وتمّ بعد انتشار وباء شلل الأطفال، في عام 2013، تطعيم 2,9 مليون طفل، بالإضافة إلى تطعيم 840 ألف طفل ضد وباء الحصبة.