ساد هرج ومرج وعم الصخب المكان بعد قيام اثنين من العناصر المسلحة في مبنى “سيتي سنتر” وسط السوق، باعتراض طريق فتاتين في محاولة لخطفهما، فهب من في المبنى للدفاع عن هاتين الفتاتين بعد سماع صراخهما، واستطاعوا إنقاذهما واجبروا المسلحين على الفرار، إلا أن أنهم لم يتمكنوا من الإمساك بهما بسبب حملهما لرشاشات وقنابل يدوية ..
هذه الحادثة تمت بوضح النهار في سوق ابن رشد بمدينة حماة، فظاهرة خطف البنات الحمويات واعتقالهن على يد شبيحة النظام باتت حديث الشارع الحموي بعد انتشارها بكثرة وازدياد وتيرتها ..
صحيفة “شام” حاولت استطلاع قصص بعض من تعرضن للخطف، وبشق الأنفس استطعنا الحصول على بعض المعلومات من الأهالي، نتيجة للتحفظ الشديد الذي أبدوه على ذكر أي شيء يمس بالفتيات من باب صون الأعراف والتقاليد.

شعار الثورة أدى لاعتقالها
الطالبة (ف .ع) كانت في طريق عودتها من كلية الطب في جامعة حمص إلى منزلها في مدينة حماة، وأثناء توقف الباص على أحد الحواجز، طلب أحد العناصر من الركاب فتح أجهزة الموبايل للتفتيش، ولسوء الحظ قام بفتح مجلد الصور في جهاز الطالبة (ف) والذي يفترض أنه مجلد شخصي ولا يُسمح لأحد رؤيته، فوجد بين هذه الصور صورة لعلم الثورة، وهنا كانت الكارثة، تم اعتقال الفتاة واقتادوها إلى فرع الأمن العسكري في حمص، وهناك جرى التحقيق معها وتعرضت لتعذيب نفسي شديد من إذلال وسباب وشتائم وتهديد بالتعذيب الجسدي، هذا عدا عن سماعها لصرخات واستغاثات المعتقلين التي صمت أذنيها وملأت قلبها بالرعب، وبعد أن استطاع الأهل معرفة مكان ابنتهم والقيام ببعض الوساطات عن طريق بعض معارفهم لدى قيادات فرع الأمن العسكري تم الإفراج عنها بعد يومين لقاء مبلغ من المال.

وشاية وتبادل أسرى
أما الممرضة (أ . ر) والتي اتخذت من مهنة التمريض شعاراً و مسلكاً إنسانياً لم يكن حالها أفضل، فعملها هذا كان جريمة برأي النظام بعد وشاية من أحد مخبري الحي عنها، حيث قامت عناصر المخابرات الجوية بمداهمة منزلها واعتقالها منه بعد سرقته وتحطيم أثاثه، واقتيادها إلى المعتقل لمدة ثلاثة شهور تعرضت خلاله لأشد وأقسى أنواع التعذيب الجسدي, إلى أن تم الإفراج عنها مع عشرين امرأة أخرى بعد مفاوضات بين إحدى كتائب الجيش الحر وفرع المخابرات الجوية مقابل الإفراج عن عدد من شبيحة النظام كانوا أسرى لدى تلك الكتيبة .
ابتزاز مالي
الشابة (ت . ز) لم يخطر ببالها يوماً أن ثروة والدها ستودي بها يوما للاختطاف، حدثتنا بذلك ودموعها تملأ وجنتيها وأضافت: “في ذلك اليوم المشئوم خرجت من منزلي في الصباح الباكر وأثناء مروري بالقرب من حاجز مدرسة ناصح علواني رأيت عدداً من عناصر الشبيحة وهم يرتدون الجعب ويحملون الأسلحة ويتوجهون نحوي، لم يخطر ببالي للحظة أنهم سيتعرضون لي، استمريت بالمشي في طريقي أحاول تجنبهم، ولكن لم تكن بيدي حيلة، فهم التفوا حولي، وعندما حاولت مقاومتهم بالصراخ والهرب منهم، وضع أحدهم يده مباشرة على فمي، وقام الاثنان الآخران بحملي ووضعي في السيارة واقتيادي إلى جهة مجهولة لا أعلمها، ثم وضعوني في غرفة بقبو كانت باردة ومظلمة، يأتون لي بالطعام مرة واحدة في اليوم، وبعد فترة تم إطلاق سراحي مقابل فدية مالية كبيرة، فقد تم خطفي لابتزاز والدي بالمال مقابل الإفراج عني”.
ولدى سؤالنا لها عما حدث لها أثناء مدة الاختطاف قالت : “لم يكلمني أحد ولم أتعرض لأي من أنواع التعذيب، ولكن هذه الحادثة تركت أثرا بالغا في نفسي، فقد سيطر الخوف والرعب على عقلي وقلبي ولم أعد أتجرأ على البقاء وحيدة في منزلي أو الخروج وحيدة لأي مكان، أخاف من طرق الباب وأخاف من كل ما يحدث حولي”.

خطبة أم محاولة للخطف؟
الآنسة (ع) وهي طالبة وتعمل في إحدى دور رياض الأطفال بمدينة حماة حدثتنا عن نجاتها من محاولة للخطف فقالت:
“كنت واقفة بانتظار الميكرو على موقف الدبّاغة في وسط حماة، وفجأة تقف أمامي امرأتان منقبتان ترتديان عباءتين لونهما أسود، كان جسماهما ضخمان وما بدا لي أن بشرتيهما سمراوتين وصوتهما خشن، أحسست بالريبة منهما ولكنني كنت مطمئنة فأنا أقف في وسط السوق، قامتا بتوجيه بعض الأسئلة لي عن اسمي واسم عائلتي، كم عمري، مرتبطة أم لا، ما هي دراستي، وأين هو مكان عملي، وبعد ذلك قالت لي إحداهما: “لا أستطيع سماعك بسبب الضجة وكثرة الزحام، تعالي معنا لنبتعد قليلا كي أتمكن من سماعك، فأنا أبحث عن عروس لولدي ولم أجد أجمل منك” فرفضت بشدة وقلت لهما تفضلا بالحديث هنا، وابتعدت عنهما قليلا، فاقتربت مني إحداهما وأمسكتني من يدي وحاولت جذبي للمشي معها بالقوة، هنا لم أتمالك نفسي وصرخت بها: “يا خالة عيب عليكي هي التصرفات، يا ويلكم من الله” مما لفت انتباه من حولنا وتوجه البعض لسؤالنا عما يحدث، وهنا انسحبت المرآتان من المكان بسرعة ولاذتا بالفرار، وعدت لمنزلي خائفة ولوني أصفر (تنذكر وما تنعاد)” .

عدم الجرأة حال دون إنقاذها
أما الشابة (ن . ش) فلم تستطع النجاة من محاولة اختطافها من وسط سوق النجارين الواقع خلف سوق ابن رشد في وسط مدينة حماة, حيث حدثنا أحد شهود العيان قائلا: “تواجدت سيارة (جيب) تابعة لأحد الفروع الأمنية منذ الصباح الباكر في السوق، وكانت تحوم حول المكان ذهابا وإيابا، وبعد حلول الظهر، وكان السوق قد اشتد به الزحام، قاموا باختطاف إحدى الفتيات المنقبات التي كانت تسير في طريقها بوسط السوق, ولم يتجرأ أحد من أصحاب المحلات أو المارة على الاقتراب منها أو نجدتها وذلك لأن عناصر المخابرات كانوا مدججين بالأسلحة وأطلقوا بعض العيارات النارية أثناء عملية الاختطاف، كي لا يستطيع أحد من الاقتراب لنجدة الفتاة، وحتى هذه اللحظة لم يُعرف إلى أين اقتيدت الفتاة ومن هي الجهة الخاطفة”.
رصد لحالات الخطف وتوثيقها
ما ذكرناه سابقا يعد جزءاً بسيطاً استطعنا استقصاءه من محاولات وعمليات كثيرة لاختطاف البنات في مدينة حماة، وعن هذه الظاهرة التقينا بمدير مكتب أمانة السر في اتحاد ثوار حماة والذي أوضح أن ظاهرة خطف البنات تفشت منذ فترة ليست بالقليلة، وخاصة بعد خروج الثوار من المدينة والتحاقهم بالجبهة الشمالية والجنوبية، مما جعل الفتيات هدفاً سهلاً لقوات النظام و الشبيحة من طرف، وبعض اللصوص-الذين ينسبون أنفسهم للثورة- من طرف آخر، وفي كلتا الحالتين فهذا العمل المجرم يصب في مصلحة النظام ليثبت للناس أن ثمن الحرية والكرامة سيكون انعدام الأمن والأمان .
ولدى سؤالنا له عن الإجراءات التي تتخذ من قبل اتحاد ثوار حماة تجاه هذه الظاهرة أجاب: “بالنسبة لإتحاد ثوار حماة، والذي هو كيان ثوري جامع في المدينة، فقد عمل جاهداً للوقاية من هذه الحوادث لأن علاجها صعب جداً في ظل الاحتلال الأسدي المطبق على المدينة، فلا يكاد يمر أسبوع إلا ويصدر منشور لتوعية الأهالي لخطورة هذا الأمر ولضرورة أخذ الحذر والحيطة، مثل تجنب المرور بجانب الحواجز الأمنية وعدم الخروج إلا عند الضرورة، ويفضل أن ترافق الفتاة مجموعة بنات أو الخروج مع الأب أو الأخ لقضاء الحاجات الضرورية. وقد دأب مكتب التوثيق في اتحاد ثوار حماة على رصد كافة الحالات وتوثيقها من أجل فضح النظام أمام المنظمات الدولية المختصة بهذه الانتهاكات. أما عن موضوع المقايضة فلم تسجل أية حالة من هذا النوع رسمياً في الاتحاد، في الوقت الذي يمكن أن يكون ذلك قد تمّ من خلال جهود فردية بالتنسيق مع عائلات المخطوفات”.
و أضاف: “أود أن أشير إلى أن عمل الفتيات ودراستهن حق محفوظ لهن، ومن المؤكد أن عائلة أي فتاة هي أحرص من أي جهة كانت عليها، ولكن يجب اتخاذ أقصى حالات الحذر والحيطة وعدم الاستهتار بأي صغيرة أو كبيرة، فكل فتاة في حماة هي اختنا وابنتنا، وأمنها والحفاظ عليها واجب ديني وأخلاقي”.

إما الحرية أو الأمان
من جهته أكد الناشط صالح الحموي أن هدف النظام من عمليات الخطف والتركيز على البنات حصرا هو محاولة بث الرعب والفوضى من جهة، وإتباع سياسة ممنهجة لإذلال أهالي حماة عن طريق المساس ببناتهم وأعراضهم من جهة أخرى، وذلك حتى يضع الناس بين خيار طلب الحرية أو الأمان. وأضاف :”نهيب بالأهالي الحرص على بناتهم وعدم تركهن يخرجن بمفردهن ومحاولة البقاء في المنزل في الأوقات الخطرة وعدم إفساح المجال للنظام لتحقيق مآربه”.



شبكة الشام

JoomShaper