علي الرشيد
" سأخبر الله بكل شيء".. كانت هذه آخر عبارة قالها طفل سوري قبل أن يلقى الله مستشهدا، وهي تعكس بلغة بريئة شكوىً مريرةً من الدرك الأسفل الذي وصل إليه حال الإنسانية، التي تتدثر خلفها شعارات المنظمات والمؤسسات الحقوقية التي تتغنى بحقوق الإنسان وبرامج حماية الطفولة... حينما تصرّ على أن تصمّ أذانها، عما يتعرض له المدنيون وبخاصة الأطفال من انتهاكات بشعة في سوريا، وفي مقدمتها انتفاء حقهم في الحياة، وهو حق مقدّس.. لأن أكثر المتضررين من الكوارث الطبيعية والحروب هم الأطفال، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة كما هو معروف.
مأساة الطفولة بسبب إجرام النظام ومن يدعمه أو يسير على منواله ذات أشكال متعددة الإيلام فمن أطفال ماتوا جوعا في مخيم اليرموك، أو قضوا بقصف البراميل مع أسرهم في حلب وغيرها، أو رحلوا بسبب البرد والمرض في بعض مخيمات اللجوء شتاء، أو بسبب المذابح والمجازر والتعذيب في أقبية سجون النظام بدءا من حمزة الخطيب، أو غرقا في البحر ليكونوا طعاما لأسماك القرش، عندما كان أهلوهم يبحثون عن أمل بحياة أفضل في بلاد الغرب، بعد أن ضاقت بهم أرض العرب، ولم تعد كما كنّا نشدو بها " بلاد العرب أوطاني ".
ومن مآسي الطفولة بسبب الحرب والكوارث فصول مؤلمة كثيرة، بدءا من الأطفال الذين فقدوا الآباء والأمهات معا وأصبحوا من دون معيل، وهناك أعداد كبيرة منهم ضمن النازحين واللاجئين، ومرورا بأطفال تعرضوا لإصابات كبيرة، فقدوا من جرائها أطرافهم، أو آخرين يعانون من آلام نفسية بسبب الخوف ومشاهد الرعب والقتل وفقدان الأمان، أو ممن حرموا من حقوق أساسية كحق التعليم، والاضطرار للعمل في سن مبكّرة، كما في لبنان بسبب انعدام فرص الالتحاق بالمدارس، أو الظروف المعيشية لأسر الأطفال التي تدفعهم للعمل في ظل ظروف خطرة.
ورغم قسوة هذه المآسي ووجود آلاف القصص في كل فصول من فصولها إلا أنها لم تحتلّ مكان الأولوية في اهتمامات الكتاب والفنانين والمبدعين السوريين والعرب والعالميين، سواء الموجّهة للكبار أو الصغار، أو كانت على مستوى القصص والروايات والمسرحيات المطبوعة، أو على مستوى المسرحيات المعروضة وأفلام الكرتون، أو الأفلام القصيرة أو الأفلام القصيرة، أو معارض الصور الفوتوغرافية والكاريكاتير، أو على مستوى القصائد المكتوبة أو الأغاني الملحّنة، أو كانت أعمالا درامية ومسلسلات، أو برامج الإذاعية وتلفزيونية أو غيرها من القوالب الفنية.
ويمكن للمهتمين بالأطفال أدباً وإعلاماً أن يقتربوا من عالمهم، ويتركوا للموهوبين منهم تسجيل قصص مآسيهم، والتعبير عنها بلغتهم وبطريقتهم وأسلوبهم، أو نقل معاناة زملائهم وتوثيقها بالصوت والصورة، أو تحويلها لعمل مسرحي أو فيلم، وتنظيم مؤتمرات صحفية ليبلغوا العالم عبرها برسائلهم مباشرة، أو ترك المجال لريشتهم ليعكسوا من خلالها عمق هذه المأساة.
ورغم ما تعرّضت له دول عربية مثل الصومال من كوارث كالمجاعة وحروب منذ أكثر من عشرين عاما، أو دولة مثل سوريا منذ ثلاث سنوات، فإنني أدعوكم لإحصاء الأعمال الإبداعية التي تناولت المعاناة الإنسانية للمدنيين عموما وللأطفال خصوصا، لتروا حجم التقصير المريع في هذا الجانب.
إن على المبدعين السوريين والعرب أن يتحملوا مسؤوليتهم العظمى تجاه الهمّ الإنساني فيقلقوا لقلق الأطفال ويجزعوا لجزعهم ويحزنوا لحزنهم.. من خلال إبداعية متميزة، ولهذا الأمر أهمية بالغة من عدة زوايا:
ـ تسليط الضوء على معاناة أطفال سوريا عربيا ودوليا، وبالتالي التعبير الأصيل عن هموم الأمة، وأداء الدور الرسالي الأصيل للإبداع.
ـ فضح جرائم النظام وكل شركائه بحق هذه الشريحة وبحق المدنيين، وتقديمها للعالم بلغة عالمية مؤثرة في الرأي العام حكومات ومنظمات وشعوبا.
ـ استثمار هذه الأعمال في حملات وفعاليات التوعية بمأساة السوريين (حملات النصرة والحشد)، وفي فعاليات تسويق المشاريع الإنسانية والخيرية التي تصب في صالح مساعدتهم.
ومعلوم أن عرض معاناة الأطفال عموما تكون أكثر تأثيرا في النفوس بسبب براءة هذه الشريحة، والرحمة التي تسكن القلوب إزاءها.
الكتابة والإبداع رسالة قبل أي شيء آخر، وإن يكونا كذلك فما جدواهما.. ولعلّ السؤال البريء من الأطفال المنكوبين في سوريا وغيرها إلى أصحاب الأقلام والمواهب الإبداعية من السوريين والعرب هي: إن لم تنصروا المظلومين المنكوبين، وتفضحوا جرائم الظلمة المجرمين بكل أدواتكم الإبداعية الآن.. فمتى يكون ذلك؟!
أسئلة بريئة من أطفال الشام إلى المبدعين العرب
- التفاصيل