أخبار الآن | عمان - الأردن - (سامية صهيوني)

تطرق قوات أمن الأسد وشبيحته الباب عليها بعد منتصف الليل، وفي غضون دقائق معدودة يعتقل زوجها أمام عينيها ضمن حملة مداهمات على حيّهم المشتبه بمشاركة رجاله بالحراك الثوري بعيد أشهر من انطلاق الثورة السورية .

تضم طفليها إلى صدرها، وتدرك بوعي مبكّر أنّ مسؤوليات جمّة وقعت على عاتقها، فهي منذ تلك اللحظة ستكون الأب لهم قبل الأم، والمعيل، والحامي، والسند، ولكن كيف؟ يتبادر هذا السؤال إلى ذهن أم ياسر، وهي المتمتعة  بالمكانة المرموقة بين نظرائها من نساء الحي، غير معتادة إلا على تقديم العون لهنّ في السراء والضراء، بسبب يسر حالها، لكن اعتقال زوجها، سيقلب الحال إن هي لم تفكر بطريقة تقي نفسها وأولادها عوز السؤال.

عدة ليالي أمضتها أم ياسر بالتفكير، إلى أن لمعت في رأسها فكرة تجارية، " لمَ لا؟ " تقول أم ياسر، وهي التي تملك مهارة قلّ نظيرها بحياكة الصوف والتريكو، وأشغال الكروشيه، كانت تمارسها كهواية هجرتها بعد الزواج والانشغال بأمور المنزل والأطفال.

تدرك أم ياسر أن مثل ذاك العمل، يتطلب رأس مال لا تملكه، لكن الحيلة لم تعيها، فباعت جزءاً من أثاث بيتها الذي لم يعد مهماً مقارنة بالمتطلبات التي تقع على عاتقها، وتعبر أم ياسر عن شعورها آنذاك، بقولها: "لم أستطع تمالك نفسي من الغبطة والأمل يومها، أولى خطوات حلمي تتحقق، كمية كبيرة من الصوف والخيطان، ورغبة أحد التجار الذي بدأت بالتعامل معه باستلام طلبية كبيرة من فساتين الأطفال، والأوشحة، والأغطية الملونة، والقفازات والقبعات".

لم تخبر أم ياسر التاجر أنها تعمل لوحدها، تاركة له الظن بأنها مشرفة على مشغل حياكة، وتبرر ذلك، بقولها: "الحياة قاسية، وتتطلب حنكة لئلا يستغل أحد حاجتي وضعفي في غياب زوجي، وعلى الرغم من المردود الضئيل مقارنة بجهدي المبذول، إلا أنه يقيني ذلّ الحاجة والسؤال".

وقعت إحدى الأوشحة التي حاكتها بيد زوج جارتها الذي كان آنذاك قائداً لإحدى كتائب الجيش الحر في درعا، فطلب منها حياكة أوشحة تحمل رموز وألوان علم الثورة، لمقاتلين معه، وكذلك قفازات وقبعات تقيهم برد الشتاء، مقابل مبلغ لا بأس به من المال. استجابت أم ياسر لطلبه، فحقدها على النظام الذي اعتقل زوجها لم يترك لها خيار التفكير بمخاطر ذلك العمل.

بسرية تامة، بدأت أم ياسر حياكة "أوشحة الحرية" كما تسميها، مفرغة كل طاقاتها السلبية وغضبها وحزنها بالعمل، وتقول: "سلمت 178 لفحة حرية للجيش الحر، بأقل من 28 يوماً".

تتوالى الأيام، ويتوسع عملها، وربحها يزداد، لكن قواها بدأت بالنفاذ، ففكرت بتشغيل كل النساء اللواتي يشاركنها حالها، من نساء المعتقلين أو زوجات الشهداء. وفعلاً تم ذلك، وعلّمت كل من لا تجيد الحياكة منهن،  فهي من جهة تساعدهن في كسب رزقهن وأطفالهن، ومن جهة أخرى تتمكن من تلبية طلبات الجيش الحر التي بقيت تخفيها عن الجميع، لئلا تورطهن بذلك، ولتبعد الشبهة عن نفسها في عدم التأخر على طلبات التجار التي سلمتها لباقي النسوة.

بدأت مخاطر عملها تلوح بالأفق، عندما فتّش أغراضها أحد عناصر حواجز المدينة، متسائلاً عن كمية الصوف التي تحملها، مهدداً إياها، بقوله: "إذا كنتِ عم تشتغلي للجماعات المسلحة، أصابيعك هدول رح نقطعن". حمدت ربها كثيراً ذلك اليوم، ودعت للتاجر المؤيد للثورة، والذي نصحها بتغطية الألوان التي تستهلكها في حياكة أوشحة الثورة "ألوان علم الثورة" بألوان أخرى محايدة، كان يجهزها لها بشكل دائم.

لم يكن ذاك الحدث آخر المخاطر التي واجهتها، حيث اعتادت أم ياسر إخفاء أعمالها أسفل سجادات المنزل، خوفاً من مداهمته في أي لحظة سيّما بعد تكرار مداهمات قوات الأمن  للحي، بحثاً عن النساء المشتبه بهن بالتعامل مع الجيش الحر، أو لهن أي صلة به، لكن مخاوفها تحققت!

"دوهم بيتي فجأة، وتجمد الدم في عروقي بعد دخول أحد المجندين إلى تلك الغرفة التي نسيت فيها ذاك الوشاح الذي ركنته إلى جانب التلفاز قبل أن أنهيه، انتهى أمري لا محال"، تقول أم ياسر، وتضيف: "لحقت به علّني أنقذ الموقف، فإذا بالوشاح بين يديه، وقبل أن ينطق بحرف، همست له:  "باينتك ابن حلال، وأنا عم بشتغل لطعمي أولادي، ورح تحمل ذنبن إذا بتعتقلني"، يقاطعها بصراخه للضابط،  قائلاً: "لا شيء في هذه الغرفة سيدي" واتجه خارجاً.

JoomShaper